الْكِتَابُ الرَّابِعُ

***

رُسُلُ اللهِ إلَى خَلِيفَتِهِ عَلَى الأرْضِ

تَألِيف حَسَن عَلِي النَّجَّار

1447 \ 2026

***

الْفَصْلُ السَّابِعُ

***

عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ

مِنْ مُعْجِزَاتِ اللهِ فِي خَلْقِهِ

عليه السلام

أعوذُ باللهِ منَ الشيطانِ الرجيم

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ 

 

 

مُقَدِّمَةٌ

يَحْتَفِلُ مُعْظَمُ الْمَسِحِيينَ (كاثوليك وَبْروتِسْتَانْت) بِمِيلادِ رَسولِ اللهِ ، الْمَسِيحِ ، عِيسَى بِنِ مَرْيَمَ ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، في الْخامِسِ والْعِشْرِينَ مِنْ دِيسِمْبَر ، مِنْ كُلِّ عامٍ. لَكِنَّ الْمَسِيحِيينَ الأرْثُوذُكْسَ الشَّرْقِيينَ (مِثْلَ الرُّوسِ وَالأقْباطِ وَالأرْمَنِ) يَحْتَفِلُونَ بِهِ في السَّابِعِ مِنْ يَنايِر \ كانون الثَّانِي ، مِنْ كُلِّ عامٍ أيْضَاً.

أمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْلِمِينَ ، فَعَلَى الرَّغٍمِ مِنْ أنَّهُم لا يُقِيمُونَ احْتِفالاتٍ مُماثِلَةٍ ، لِمِيلادِ رُسُلِ اللهِ ، إلَّا إنَّهُم يَذْكُرونَ عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، كَمُعْجِزَةٍ مِنْ مُعْجِزَاتِ اللهِ فِي خَلْقِهِ ، إذْ خَلَقَهُ مِنْ غَيْرِ أبٍ. وَيَذْكُرونَ تَعَالِيمَهُ ، وَكَوْنَهُ رابِعَ أولِي الْعَزْمِ الْخَمْسَةِ مِنَ الرُّسِلِ ، بَعْدَ نُوحٍ وَإبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ، وَقَبْلَ مُحَمَّدٍ ، عَلَيْهِمُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ أجْمَعِينَ. [1]

وَيَهْدُفُ هَذا الْفَصْلُ إلى التَّعْرِيفِ بِالْمَسيحِ ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، مِنْ خِلالِ إلْقاءِ الضُّوءِ عَلَى مِيلادِهِ ، وَحَيَاتِهِ ، وَبِعْثَتِهِ ، وَمُعْجِزَاتِهِ ، وَالْمُؤامَرَةِ عَلَى حَيَاتِهِ ، وَرَفْعِهِ إلى السَّمَاءِ ، وَعَوْدَتِهِ إلى الأرْضِ في آخِرِ الزَّمانِ ، وَذَلِكَ مِنْ خِلالِ آياتِ الْقُرْآنِ الكريمِ ، الَّتي تُقَّدِّمُ أيْضاً إجاباتٍ عَلَى الْخِلافاتِ الَّتي نَشَأتْ عَنْهُ بَيْنَ الْمَسِيحِيينَ وَالْيَهُودِ.

***

أوَّلاً ، الآياتُ الْكَرِيمَةُ ، الَّتِي تُشِيرُ إلى رَسُولِ اللهِ ، عِيسَى ، وَأُمِّهِ مَرْيَمَ ، عَلَيْهِما السَّلامُ ، في الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ

تُقَدِّمُ لَنا الآياتُ الْكَرِيمَةُ 33-60 مِنْ سورَةِ مَرْيَمَ (19) تَفَاصِيلَ عَنْ قِصَّةِ مَرْيَمَ ، عَلَيْها السَّلامُ ، وَحُمْلِها بِابْنِهَا عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ. أمَّا قِصَّتُهُ  فَهْيَ مَرْوِيَّةٌ في ثَلاثٍ مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، هِيَ آلِ عِمْرَانَ (3) وَالْمَائِدَةِ (5) وَمَرْيَمَ (19).

وَقَد ذُكِرَ اسْمُ "عِيسَى" خَمْسَاً وَعِشرينَ مَرَّةً فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، وَذَلِكَ كَذِكْرِ آدَمَ ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، بِنَفْسِ عَدَدِ الْمَرَّاتِ ، نَظَرَاً لِتَماثُلِهُما في الْخَلْقِ ، الأمْرُ الَّذِي يُعَدُّ إعْجازًا عَدَدِيَّاً في كِتابِ اللهِ الْعَزِيزِ. [2]

وَتُشِيرُ أرْبَعَ عَشْرَةَ آيَةً مِنْ هَذِهِ الآياتِ إلَيْهِ عَلَى أنَّهُ أحَدُ رُسُلِ اللهِ الْبَارِزِينَ ، وَتُقَدِّمُ لَنا بَعْضَ الْمَعْلُوماتِ عَنْهُ وَعَنْ بِعْثَتِهِ ، عَلَيْهِ السَّلامُ.

وَتَذْكُرُ لَنا الإحْدَى عَشْرَةَ آيَةً الأُخْرَى مَزِيدَاً مِنَ التَّفْصِيلِ عَنْ مِيلادِهِ ، وَحَيَاتِهِ ، وَمُعْجِزاتِهِ ، والْمُعْضِلَةِ الَّتِي مَرَّ بِها ، ونِهَايَةِ بِعْثَتِهِ الأولَى عَلَى الأرْضِ. وَهَكَذَا ، يُمْكِنُ مَعْرِفَةِ الْمَزِيدِ عَنْه مِنَ الآياتِ الْكَرِيمَةِ 4: 156-158 ، 4: 171-172 ، 5: 110-120 ، و 19: 16-35. [3]

***

ثَانِيَاً ، مِيلادُ مَرْيَمَ ، وَنَذْرُها لِعِبادَةِ اللهِ

كانَ عِمْرَانُ كَبِيراً في السِّنِّ ، وَتَمَنَّتْ امْرَأتُهُ الْوَلَدَ. فَلّمَّا حَمِلَتْ ، نَذَرَتْ ما في بَطْنِها لِعِبَادَةِ اللهِ. وَلَمَّا وَضَعَتْها ، اكْتَشَفَتْ أنَّها كانَتْ أُنْثَى ، أيْ أنَّها لا تَصْلُحُ لِخِدْمَةِ بَيْتِ اللهِ ، لأنَّ ذَلِكَ كانَ لِلذِكُور فَقَط. فَاعْتَذَرَتْ لِرَبِّها عَلَى ذَلِكَ. لَكِنَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى تَقَبَّلَ مَرْيَمَ بِقَبُولٍ حَسَنٍ ، وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا ، وَكَفَّلَهَا بِالرِّعَايَةِ لِزَكَرِيَّا ، عَلَيْهِ السَّلامُ. وَمِنَ الشَّواهِدَ عَلَى صَلاحِها وَتَقَبُّلِ اللهِ لَها ، أنَّها كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ ، كانَ يَجِدُ عِندَهَا رِزْقًا. وكانَ عِنْدما يَسْأَلُها عَنْهُ ، كانَتْ تَقُولُ: هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ، الَّذِي يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ، وَذَلِكَ كَما أخْبَرَتْنا بِهِ الآياتُ الْكَرِيمَةُ 3: 33—37 ، كما يَلِي.

أعوذُ باللهِ منَ الشيطانِ الرجيم

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ 

إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿٣٣﴾‏ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿٣٤﴾‏ إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿٣٥﴾‏ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ ۖ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴿٣٦﴾‏ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿٣٧﴾‏ (آلُ عِمْرَانَ ، 3: 33-37). 

***  

ثَالِثَاً ، مُعْجِزَةُ حَمْلِ مَرْيَمَ ، بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ

بَيْنَما كانَتْ مَرْيَمُ ، عَلَيْها السَّلامُ ، تَقُومُ بِعِبَادَةِ اللهِ ، في مِحْرَابِها ، في الْمَسْجِدِ ، جاءَتْها الْمَلائِكَةُ ، لِتُخْبِرُها بِأنَّ اللهَ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، بَعْدَما أنْبَتَها طاهِرَةً مِنَ الذُّنُوبِ ، اصْطَفاها مَرَّتَيْنِ ، أي اخْتَارَها مِنْ بَيْنِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ، في زَمَانِها. كانَتْ الْمَرَّةُ الأولَى ، عِنْدَما تَقَبَّلَها لِعِبَادَتِهِ في الْمَسْجِدِ ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كَوْنِها أُنْثَى. وَكانَتْ الثَّانِيَةُ عِنْدَمَا شَاءَ أنْ يَجْعَلَها بِكَلِمَةٍ مِنْهُ أمَّاً لِلْمَسيحِ ، عَلَيْهِ السَّلامُ. فَلَمَّا أخْبَرَتْها الْمَلائِكَةُ بِذلِكَ ، سَأَلَتْ رَبَّها مُتَعَجِّبَةً عَنْ كَيْفِيَّةِ حُدُوثِ ذَلِكَ ، بَيْنَمَا لْمْ يَمْسَسْها بَشَرٌ مِنْ قَبْلُ. فَأجَابَها جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، مِنْ بَيْنِ الْمَلائِكَةِ ، قَائِلاً: "كَذَٰلِكِ اللَّـهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ." وَبَعْدَ وِلادَةِ الْمَسِيحِ ، أوْكَلَ اللهُ ، تَعَالَى ذِكْرُهُ ، إلى جِبريلَ مُهِمَّةَ تَعْلِيمِهِ الْكِتَابَ ، أيْ الْقِرَاءَةَ وَالْكِتَابَةَ ، وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ (آلُ عِمْرَانَ ، 3: 42-48). فَكَانَ الْحَمْلُ بِهِ مُعْجِزَةً ، حَتّى يُؤمِنَ النَّاسُ بِهِ ، وَكَانَتْ بِعْثَتُهُ رَحْمةً لَهُم مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (مَرْيَمُ ، 19: 16-21). [4]

وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ﴿٤٢ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴿٤٣ ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴿٤٤ إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّـهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴿٤٥ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴿٤٦ قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّـهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴿٤٧ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ﴿٤٨  (آلُ عِمْرَانَ ، 3: 42-48). 

***

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ﴿١٦ فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ﴿١٧ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا ﴿١٨ قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا ﴿١٩ قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ﴿٢٠ قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ۖ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا ۚ وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا ﴿٢١ (مَرْيَمُ ، 19: 16-21).

***

رَابِعَاُ ، وِلادَتُها لِعِيسَى ، وَرَدَّةُ فِعْلِ قَوْمِها

بَعْدَما حَمَلَت مَرْيَمُ بِعِيسَى ، عَلَيْهِما السَّلامُ ، رَأتْ أنْ تَنْأى بِنَفْسِها عَن أعْيُنِ النَّاسِ ، في مَكانٍ بَعِيدٍ عَنْهُم. وَعِنْدَما جاءَها الْمَخَاضُ لِوِلادَتِهِ ، بِجانِبِ نَخْلَةِ ، تَمَنَّنت مِنْ شِدَّةِ الألَمِ لَوْ أنَّها ماتَتْ مِنْ قَبْلِهِ. لَكِنَّ صَوْتَ جِبْرِيلَ ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، جاءَها مُنَادياً مِنْ مَكانٍ مُنْخَفِضٍ عَنْ مَكَانِها ، مُطَمْئِنَاً لَها ، بِألَّا تَحْزَنَ ، لأنَّ اللهَ مَعَها ، قَد جَعَلَ قَرِيبَاً مِنْها جَدْوَلاً مِنَ الْمَاءِ ، لِتَشْرَبَ مِنْهُ. كَذَلِكَ أخْبَرَها بَأنَّ تَهُزَّ النَّخْلَةَ ، فَيَتَسَاقَطُ مِنْها رُطَبَاً جَنِيَّا ، لِتَأكُلَ مِنْهُ ، وَتَقَرَّ عَيْنُها. وَأشَارَ عَلَيْها جِبْرِيلُ أيْضَاً ألَّا تُكَلِّمَ أحْدَاً فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ، بَلْ تَقُولُ أنَّها نَذَرَتْ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْمًا عُنْ الْكَلامِ. وَهَكَذَا ، عادَتْ بِهِ إلَى قَوْمِها ، الَّذِينَ صُدِمُوا لِما حَدَثَ لَها ، وَعَنَّفُوها قَائلينَ لَها أنَّ أبَاها وَأمَّها كانا صَالِحَيْنِ ، كَما أنَّها تَأتي مِنْ عِرقٍ طَيِّبٍ يَمْتَدُ إلى هَارُونَ ، عَلَيْهِ السَّلامُ. وَكَأنَّ لِسَانَ حَالِهِم كَانَ يَقُولُ لها بَأنَّها قَد اقْتَرَفَتْ خَطِيئَةً كَبِيرَةً لا تَلِيقُ بِها ولا بِأبَويْها ، وَلا بِأسْلافِها الْكِرَامِ مِنْ قَبْلِهِم ، وَذَلِكَ كَما أخْبَرَتْنا بِهِ الآياتُ الْكَرِيمَةُ 19: 22-28 ، كَما يَلِي:

فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا ﴿٢٢ فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا ﴿٢٣ فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ﴿٢٤ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ﴿٢٥ فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا ﴿٢٦ فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ۖ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ﴿٢٧ يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ﴿٢٨  (مَرْيَمُ ، 19: 22-28). [5]

***

خَامِسَاً ، مُعْجِزَتُهُ الأولَى: كَلامُهُ وَهُوَ لا يَزَالُ في الْمَهْدِ صَبِيَّاً

تُخْبِرُنا الآياتُ الْكَرِيمَةُ 19: 29-32 أنَّ رَسُولَ اللهِ ، عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ ، قَد تَكَلَّمَ وَهُوَ لا يَزَالُ في مَهْدِهِ طِفْلاً صَغِيرَاً. وكانَ ذَلِكَ لِلدِّفَاعِ عَنْ أمِّهِ ، عِنْدَما اتَّهَمَهَا قَوْمُها في عِفَّتِها. كَذَلِكَ ، فَإنَّهُ أخْبَرَهُم بِأنَّهُ عَبْدُ اللهِ ، الذي أعْطَاهُ الإنْجِيلَ وَجَعَلَهُ نَبِيَّاً. وَأضَافَ بِأنَّ اللهَ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، بَارَكَ فيهِ وَأوْصَاهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ، وَجَعَلَهُ بَرَّاً بِوَالِدَتِهِ ، وَطَائِعَاً لِرَبِّهِ ، وَمُتَواضِعَاً وَرَؤوفَاً لِلنَّاسِ ، أيْ لَيْسَ جَبَّارَاً شَقِيَّاً.

وَتُشِيرُ الآيَّةُ الْكَرِيمَةُ 19: 33 إلَى أنَّ فِعْلَ وِلادَتِهِ قد جَاءَ في الزَّمَنِ الْمَاضِي. لَكِنَّ الْفِعْلَ الَّذي يُشِيرُ إلى مَوْتِهِ ، جَاءَ في الزَّمَنِ الْمُضَارِعِ. أمَّا بَعْثُهُ حَيَّاً ، فَهْوَ في الْمُسْتَقْبَل ، لأنَّهُ سَيَكُونُ في الْيَوْم الآخِرِ. وَفي ذَلِكَ بَيَانٌ وَتَأكِيدُ مِنَ اللهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، بِأنَّ الْمَسِيحَ ، علَيْهِ السَّلامُ ، لَمْ يَمُتْ ، لأنَّ اللهَ رَفَعَهُ إلى السَّمَاءِ حَيَّاً ، إنْقاذاً لَهُ مِنْ كَيْدِ الْكَافِرِينَ.

وَتَتَنَاوَلُ الآيَتَانِ الْكَرِيمَتَانِ 19: 34-35 نِزَاعَاً بَيْنَ الْيَهُودِ وَالْمَسِيحِيينَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ، عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ. حَيْثُ يَقْولُ الْيَهُودُ بِأنَّهُ كانَ ابْنَ يُوسُفَ وَمَرْيَمَ. وَبالتَّالِي ، فَهُم يُنكِرونَ مُعْجِزَةَ خَلْقِهِ بِدونِ أبٍ. أمَّا الْمَسِيحِيُّونَ ، فَتَطَرَّفُوا بِقَوْلِهِم أنَّهُ كانَ ابْنَ اللهِ. وَيُصَحِّحُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ كِلَيْهِما ، بِالْقَوْلِ بِأنِّ اللهَ قَد خَلَقَهُ بِدونِ أبٍ ، كَمُعْجِزَةٍ مِنْهُ ، لَكِنَّهُ لَيْسَ ابْنَ اللهِ. فَقَد خَلَقَهُ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ ، حَيْثُ قَالَ لَهُ: "كُن" فَكَانَ ، فَسُبْحَانَ اللهِ ، أحْسَنُ الْخَالِقِينَ.

فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ﴿٢٩ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّـهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ﴿٣٠ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ﴿٣١ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ﴿٣٢ وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ﴿٣٣ ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴿٣٤ مَا كَانَ لِلَّـهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ ۖ سُبْحَانَهُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴿٣٥ (مَرْيَمُ ، 19: 29-35).

***

سَادِسَاً ، قِيامُهُ بِالْمُعْجِزَات ، حَتَّى يُؤمِنَ بِهِ قَوْمُهُ ، كَرَسُولٍ مِنَ اللهِ إلَيْهِم

أيَّدَ اللهُ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، رَسُولَهُ عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، بِرُوحِ الْقُدُسِ ، أي بِجِبْرِيلَ ، عَلَيْهِ السَّلامُ (2: 87 ، 2: 253 ، 5: 110) ، الَّذي سَاعَدَهُ في بِعْثَتِهِ ، بِما في ذَلِكَ الْقِيامِ بِالْمُعْجِزَاتِ ، خَاصَّةً الطِّبِّيَّةَ مِنْها ، حَتَّى يُؤمِنَ بِهِ قَوْمُهُ ، كَرَسُولٍ مِنَ اللهِ إلَيْهِم. [6] 

فَقَد كَانَ يَخلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ، ثُمَّ يَنْفُخُ فيهِ ، فَيُصْبِحُ طَيْرَاً ، بِإذْنِ اللهِ. وَكَانَ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ ، وَيُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّـهِ ۖ ، وَيُنَبِّئُهُم بِمَا يَأْكُلُونَ وَمَا يَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِهِمْ ، وّذَلِكَ كما أخْبَرَتْنا بِهِ الآياتُ الْكَرِيمَةُ 19: 29-35 ، كَما يَلِي:

وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّـهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّـهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿٤٩ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ۚ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُونِ ﴿٥٠إِنَّ اللَّـهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۗ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ﴿٥١ (آلُ عِمْرَانَ ، 49-51). 

***

سَابِعَاً ، مُعْجِزَةُ إنْزَالِ مَائِدَةٍ مِنَ السَّمَاءِ ، اسْتِجَابَةً لِطَلَبِ الْحَوَارِيِّينَ

عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ تِلْكَ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي قَامَ بِها عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، لإقْنَاعِ بَنِي إسْرَائِيلَ ، بِأنَّه رَسُولُ اللهِ إلَيْهِم  ، إلَّا أنَّ حَوَارِيِّيهِ أرَادُوا هُم أيْضاً أنْ يَرَوْا مِنْهُ آيّةً أخْرَى. فَسَألُوهُ عَمَّا إذا كانَ اللهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، "يَسْتَطِيعُ" أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِم مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ. فَلَم تُعْجِبْ الْمَسِيحُ طَرِيقَتَهُم في السُّؤالِ ، لِخُلُوِها مِنَ الْيَقينِ بِاستِطاعَتِهِ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى. وَلِذلِكَ قَالَ لَهُم: "اتَّقُوا اللَّـهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" (الْمَائِدَةُ ، 5: 112).

لَكِنَّهُم صَمَّمُوا عَلَى طَلَبِهِم ، وَسَاقُوا لَهُ أرْبَعَةَ أسْبَابٍ لِذَلِكَ الطَّلَبِ. فَقَالُوا إنَّهُم أرَادوا أَن يَأْكُلُوا مِنْهَا ، وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُهُم ، وَحَتَّى يَعْلَمُوا أَنَّهُ قَدْ صَدَقْهُم في ماهِيَّتِهِ كَرَسُولٍ مِنْ عِندِ الله ، وَحَتَّى يَكُونُوا عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (الْمَائِدَةُ ، 5: 113).

هُنالِكَ ، تَوَجَّهَ عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، بِالدُّعاءِ إلى اللهِ ، سُبحانَهُ وَتَعَالَى ، بِأنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِم مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ ، لِتَكُونَ لَهُم عِيدًا ، وَآيَةً مِنْهُ. وَخَتَمَ دُعَاءَهُ بَذِكْرِهِ أنَّ اللهَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (الْمَائِدَةُ ، 5: 114). وَالْجَدِيرُ بِالْمُلاحَظَةِ أنَّهُ لَوْ كانَ عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، إلَهَاً أوْ ابْنَ إلَهٍ ، لأتَى لَهُم بِالْمَائدَةِ بِنَفْسِهِ. لَكِنَّهُ طَلَبَها مِنْ رَبِّهِ ، مُقِرَّاً بِأنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ ، لا كَمَا يَأفِكُونَ.

فَأسْتَجَابَ اللهُ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، لِدُعَاءِ رَسُولِهِ ، قَائِلاً: "إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ." لَكِنَّهُ أضَافَ مُحَذِّراً الْحَوَاريِّينَ بِألَّا يَكْفُرُوا بَعْدَ ذَلِكَ ، أيْ ألَّا يَشُكُّوا في قُدْرَةِ اللهِ وَصِدْقِ رَسُولِهِ. وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ مِنْهُم ، فإنَّهُ سَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَّا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ (الْمَائِدَةُ ، 5: 115).

إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ ۖ قَالَ اتَّقُوا اللَّـهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿١١٢ قَالُوا نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ ﴿١١٣ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّـهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ ۖ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴿١١٤ قَالَ اللَّـهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَّا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ ﴿١١٥ (الْمَائِدَةُ ، 5: 112-115).

***  

ثَامِنَاً ، مِحْنَتُهُ ، وَمُعَانَاتُهُ ، وَرَفْعُهُ إلى السَّمَاءِ حَيَّاً

عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ ما قَامَ بِهِ عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، لإقْنَاعِ بَني إسْرَائيلَ أنَّهُ رَسُولَ اللهِ إلَيْهِم ، إلَّا أنَّ طَائِفَةً مِنْهُم لَمْ يُؤمِنُوا بِهِ. وَلَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ ، بَلْ إنَّهُم تَآمَرُوا عَلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ. لَكِنَّ اللهَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، أنْقَذَهُ مِنْهُم ، وَرَفَعَهُ إلى السَّمَاءِ حَيَّاً ، أيْ أنَّهُم لَمْ يَصْلُبُوهُ وَلَمْ يَقْتُلُوهُ ، كَما ادَّعَوْا. وَإنَّهُمُ إنَّما فَعَلُوا ذَلِكَ بِشَبِيهٍ لَهُ. وَقَد تَوَعَّدَهُم اللهُ بِالْعَذَابِ الشَّدِيدِ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ، عَلَى كُفْرِهِم ، وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا. وَفِي نَفْسِ الْوَقْتِ ، آمَنَتْ بِعِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، طائِفَةٌ أُخْرَى مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ ، وَهَؤُلاءِ مَكَّنَهُم اللهُ ، تَبَارَكَ وَتَعَالى ، مِنَ الْغلَبَةِ وَالظُّهُورِ عَلَى عَدُوِهِمُ ، إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وّذَلِكَ كَما جاءَ في الآياتِ الْكَرِيمَةِ 61: 14 و 4: 156-159 و 3: 52-58 ، كَما يَلِي: [7]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّـهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّـهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّـهِ ۖ فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ ۖ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ  (الصَّفُّ ، 61: 14).

وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا ﴿١٥٦ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّـهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ﴿١٥٧ بَل رَّفَعَهُ اللَّـهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ اللَّـهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴿١٥٨ وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ﴿١٥٩ (النِّسَاءُ ، 4: 156-159). 

فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّـهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّـهِ آمَنَّا بِاللَّـهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴿٥٢  رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴿٥٣ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّـهُ ۖ وَاللَّـهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴿٥٤ إِذْ قَالَ اللَّـهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴿٥٥ فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ ﴿٥٦وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَاللَّـهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴿٥٧ ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ﴿٥٨  (آلُ عِمْرَانَ ، 3: 52-58). 

*** 

ثَامِنَاً ، طَبِيعَةُ الْمَسِيحِ ، عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ، عَلَيْهِ السَّلامُ

بَدَلاً مِنَ التَّرْكِيزِ عَلَى التَّعَالِيمِ الَّتِي أتَى بِها رَسُولُ اللهِ ، عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، فَإنَّ أتْبَاعَهُ أوْغَلُوا في التَّرْكِيزَ عَلَى طَبِيعَتِهِ ، بِسَبَبِ خَلْقِهِ مِنْ غيْرِ أبٍ ، حَتَّى أنَّهُم عَبَدُوهُ كَإلَهٍ ، بِالإضَافَةِ إلَى اللهِ ، أوْ مَعَهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، وَهُوَ الَّذِي خَلَقَهُ.

وَلَمْ يَكُنْ عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، هُوَ الْوَحِيدُ الَذي اخْتَلَفَ خَلْقُهُ عَنْ مُجْمَلِ الناسِ. فَقَد خَلَقَ اللهُ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، آدَمَ ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، مِنْ قَبْلُ ، مِنْ غَيْرِ أبٍ وَلا أُمٍّ. وَهُوَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، فِي غَيْرِ حاجَةٍ إلى زَوْجَةٍ أوْ ابْنٍ. فَهْوَ الإلَهُ ، الْوَاحِدُ ، الأحَدُ ، الَّذي لا شَرِيكَ لَهُ.

كَما أنَّهُ ، جَلَّ وَعَلا ، قَد أنْعَمَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَزَوْجَتِهِ ، سَارَةَ ، بِإسْحَاقَ ، رَغْمَ كِبَرِ سِنِّهِما ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ أجْمَعِينَ. وَكّذَلِكَ ، فَإنَّهُ قَد مَنَّ عَلَى زَكَرِيَّا وَزَوْجَتِهِ ، بِأنْ وَهَبَهُما يَحْيَى ، رَغْمَ كِبَرِ سِنِّهِما أيضَاً ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ أجْمَعِينَ. [8] 

وَخُلاصَةُ الْقَوْلِ أنَّ رَسُولَ اللهِ ، عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، كَانَ يَعْبُدُ خَالِقَهُ ، وَهُوَ الَّذي لَمْ يَقُلْ لِلنَّاسِ أبَدَاً أنْ يَعْبُدُوهُ وَأُمَّهُ مِنْ دُونِ اللهِ ، أوْ مَعَهُ ، جَلَّ وَعَلَى ، كَما جاءَ في الآياتِ الْكَرِيمَةِ 3: 59 و 5: 116-119 ، كَما يَلِي:

إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّـهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (آلِ عِمْرَانَ ، 3: 59). 

وَإِذْ قَالَ اللَّـهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّـهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴿١١٦ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّـهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴿١١٧ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿١١٨ قَالَ اللَّـهُ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ رَّضِيَ اللَّـهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿١١٩ (الْمِائِدَةُ ، 5: 116-119). [9] 

***

عَقِيدَةُ الثَّالُوثِ (التَّثْلِيثِ)

بَعْدَما انْقَذَ اللهُ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، رَسُولَهُ عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، مِنَ الْمَوْتِ ، بِرَفعِهِ إلى السَّمَاءِ ، تَطَرَّفَ أتْبَاعُهُ في تَعْظِيمِهِ ، وَذَلِكَ بِإسْبَاغِ صِفَةِ الإلَهِيَّةِ عَلَيْهِ. فَقَامُوا بِإحْداثِ وَبِتَطْوِيرِ عَقِيدَةِ الثَّالُوثِ (التَّثْلِيثِ) ، وَالَّتِي تَقُولُ بَأنَّ اللهَ وَاحِدٌ ، لَكِنَّهُ بِثَلاثِ شَخْصِيَّاتٍ (أقَانِيمَ) ، هِيَ الأبُ وَالابْنُ وَالرُّوحُ الْقُدُسِ. وَبِذَلِكَ ، جَعَلُوا عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، ابْنَ اللهِ ، وَأحَدَ الشَّخْصِيَاتِ الثَّلاثِ ، الَّتِي تُكَوِّنُ الإلَهَ الْوَاحِدَ. [10]

وَرَدَّ اللهُ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، عَلَى هَذَا الادِّعَاءِ ، فَوَصَفَهُ بِأنَّهُ غُلُوٌّ فِي الدِّينِ ، وَأكَّدَ بِأنَّ عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، هُوَ رَسُولُهُ ، وَكَلِمَتُهُ ، وَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ إلَهً ، وَلا ابْنَ اللهِ. ثُمَّ زَجَرَهُم وَتَوَعَّدَهُم إنْ لَمْ يَتَوَقَّفُوا عَنْ الْقَوْلِ بِالثَّالُوثِ ، مُعْلِنَاً أنَّ اللهَ "إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ" (النِّسَاءُ ، 4: 171). وَذَكَرَ ، جَلَّ وَعَلا ، بِأنَّ الْمَسيحَ هُوَ عَبْدُ اللهِ ، الَّذِي لَمْ وَلَنْ يَسْتنكِفَ عَنْ عِبادَتِهِ ، أيْ لمْ يَتَكَبَّرَ أوْ يَتَرَفَّعَ عَنْها ، شَأنُهُ في ذَلِكَ شَأنُ الْمَلائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ (النِّسَاءُ ، 4: 172). وَبَيْنَما تَوَعَّدَ اللهُ الَّذِينَ يَتَكّبَّرُونَ عَلَى عِبَادَتِهِ بِالْعَذَابِ الألِيمِ ، فَإنَّهُ بَشَّرَ الْمُؤمِنِينَ بِهِ ، الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ ، بِأنَّهُ سَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ ، عِنْدَما يَعُودُونَ إلَيْهِ ، في الْيَوْمِ الآخِرِ (النِّسَاءُ ، 4: 173).

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۖ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ۘ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴿١٧١﴾‏ لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ۚ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا ﴿١٧٢﴾‏ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴿١٧٣﴾‏ (النِّسَاءُ ، 4: 171-173).

***

الادِّعَاءُ بِالثَّالُوثِ كُفْرٌ

تُقَرِّرُ الآياتُ الْكَرِيمَةُ 5: 72-76 بِوِضُوحٍ لا لَبْسَ فِيهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلَّا اللهَ ، وَأنَّ الْقَوْلَ بِأنَّ الْمَسِيحَ ، عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ ، هُوَ اللهُ ، هُوَ كُفْرٌ بَواحٌ. كَذَلِكَ ، فَإنَّ الْقَوْلَ بِأنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ ، أيْ الإيمانَ بِالثَّالُوثِ ، هُوَ كُفْرٌ أيْضَاً.

وَتُحَذِّرُ هَذِهِ الآياتُ الْكَرِيمَةُ هَؤلاء ، الَّذِينَ يُؤمِنونَ بِالثَّالُوثِ وَيَقُولُونَ بِهِ ، بِأنْ يَتَوَقَفُوا عَنْ ذَلِكَ ، وَإلَّا سَيَنَالُهُم عَذَابٌ ألِيمٌ ، فِي الآخِرَةِ. فَلَمْ يَكُنْ "الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ" (الْمَائِدَةُ ، 5: 75).

وَتُفَسِّرْ جُمْلَةِ: "كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ" ، فِي الآيةِ الْكَرِيمةِ ، أنَّهُما كانَا بَشَرَيْنِ ، كَبَاقِي النَّاسِ ، بِحَاجَةٍ إلى طَعَامٍ وَشَرَابٍ ، لِكَيْ يَبْقَيَا عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ ، بَيْنَما اللهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، مُنَزَّهٌ عَمَّا يَحْتَاجُهُ الْبَشَرُ ، وَلا يَلِيقُ بِهِ ما يَحْدُثُ لِلنَّاسِ بَعْد تَنَاوُلِهِم لِلطَّعَامِ وَالشَّرَابِ.

وَفِي الْخِتَامِ ، يَأمُرُ اللهُ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، رَسُولَهُ مُحَمَّدَاً ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بِأنْ يَقُولَ لِلَّذِينَ اتَّخَذُوا عِيسَى وَاُمَّهُ ، عَلَيْهِما السَّلامُ ، إلَهَيْنِ ، أنَّهُمُ إنَّمَا يَعْبُدُونَ بَشَرَيْنَ ، لَا يَملُكونَ لَهُم ضَرَّاً وَلا نَفْعَاً ، بَيْنَما ذَلِكَ بِيَدِ اللهِ ، السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (الْمَائِدَةُ ، 5: 76).

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ﴿٧٢﴾‏ لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۚ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٧٣﴾‏ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٧٤﴾‏ مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴿٧٥﴾‏ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ۚ وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿٧٦﴾‏ (الْمَائِدَةُ ، 5: 72-76).

***

اللهُ وَاحِدٌ ، أحَدٌ ، صَمَدٌ ، لَمْ يَلِدْ ، وَلَمْ يُولَدْ ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ

وَالْخُلاصَةُ في شَانِ طَبِيعَةِ رَسُولِ اللهِ ، عِيسَى بِنِ مَرْيَمَ ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، أنَّ اللهَ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، قَد أعْلَنَ بِكُلِّ وُضُوحٍ أنَّهُ وَاحِدٌ ، أي لَيْسَ ثَلاثَةً ، وَأنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ ، وأنَّهُ لَمْ يَلِدْ ، وَلَمْ يُولَدْ ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ، كَما جَاءَ في سُورَةِ الإخْلاصِ ، كَمَا يَلِي:

أعوذُ باللهِ منَ الشيطانِ الرجيم

بِسۡمِ ٱللهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ

قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴿١﴾‏ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴿٢﴾‏ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴿٣﴾‏ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴿٤﴾‏ (الإخْلَاصُ ، 112: 1-4).

***

عَاشِرَاً ، نُزُولُهُ مِنَ السَّماءِ ، وَعَوْدَتُهُ إلَى الأرْضِ ، عَلَيْهِ السَّلامُ

تَذْكُرُ الآيَاتُ الْكَرِيمَةُ التَّالِيَةُ نُزُولَ رَسُولِ اللهِ ، عِيسَى بِنِ مَرْيَمَ ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، مِنَ السَّماءِ ، وَعَوْدَتَهُ إلَى الأرْضِ ، في آخِرِ الأيَّامِ. فَتَقُولُ بِأنَّهُ سَيَكُونُ كَهْلاً ، أيْ في الثَّالِثِ وَالثَّلاثِينَ مِنَ الْعُمُرِ ، عِنْدَ عَوْدَتِهِ إلى الأرْضِ وَكَلامِهِ مَعَ النَّاسِ (آلُ عِمْرَانَ ، 3: 46 و الْمَائِدَةُ ، 5: 110) ، وَأنَّ الْيَهْودَ سَيُؤمِنُونَ بِهِ حِينَذَاكَ (النِّسَاءُ ، 4: 159) ، وَأنَّ نُزُولَهُ سَيَكُونُ عَلامَةً عَلَى قُرْبِ قِيامِ السَّاعَةِ ، الَّتِي سَتَكُونُ أولَى أحْدَاثِ الْيَوْمِ الآخِرِ (الزُّخْرُفُ ، 43: 61). 

وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (آلُ عِمْرَانَ ، 3: 46). 

إِذْ قَالَ اللَّـهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ۖ  (الْمَائِدَةُ ، 5: 110). 

وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (النِّسَاءُ ، 4: 159).  

وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ ۚ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ (الزُّخْرُفُ ، 43: 61). 

***

الأحَادِيثُ الشَّرِيفَةُ الَّتِي تَتَنَاوَلُ عَوْدَةَ الْمَسِيحِ ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، وَحُكْمَهُ عَلَى الأرْضِ

بِالإضَافَةِ إلَى الآيَاتِ الْكَرِيمَةِ الأرْبَعِ ، السَّابِقِ ذِكْرِهَا ، هُنَاكَ عَدَدٌ مِنَ الأحَادِيثِ الشَّرِيفَةِ الَّتِي تَتَنَاوَلُ عَوْدَةَ الْمَسِيحِ ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، وَحُكْمَهُ عَلَى الأرْضِ. وَهَذِهِ الأحَادِيثُ جُزْءٌ مِمَّا يُعْرَفُ بِأحَادِيثِ الدَّجَّالِ ، في التُّراثِ الإسْلامِيِّ ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِالْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ، وَإنْسانْ الْخَطِيَّةِ ، في الْمُؤَلَّفَاتِ الْمَسِيحِيَّةِ.

وَتَتَّفِقُ هَذِهِ الأحَادِيثُ الشَّريفَةُ عَلَى أنَّ الْمَهدِي يُصْبِحُ حَاكِمَاً عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، مُتَّخِذَاً بَيْتَ الْمَقْدِسِ عَاصِمَةً لَهُ. فَيَخْرُجُ الدَّجَّالُ لِمُقَاتَلَتِهِ ، وَمَعَهُ جُيُوشٌ عَظِيمَةٌ ، لا قِبَلَ لِلْمَهْدِي وَالْمُسْلِمِينَ آنَذَاكَ بِمُقَاتَلَتِها. فَيَأمُرُ اللهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، بِالنُّزُولِ إلَى الأرْضِ لِقِتَالِهِ. فَيَنْزِلُ عَلَى دِمَشْقَ ، وَيَرْتَحِلُ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ. ثُمَّ يُغادِرُها وَمعَهُ الْمَهْدِيُّ إلَى سِينَاءَ ، الَّتِّي سَتَكُونُ حِينَئِذٍ الْمَعْقِلَ الْقَوِيَّ لِلْمُسْلِمِينَ. وَأخِيرَاً ، يَقْتُلُ عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، الدَّجَّالَ ، وَيَحْكُمُ الأرْضَ ، بِالشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ ، قَبْلَ أنْ يَمُوتَ. [11]

وَفِي أحَدِ هَذِهِ الأحَادِيثِ الشَّريفَةِ ، عَنْ حُكْمِ عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، عَلَى الأرْضِ ،  يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يُوشِكُ أنْ يَنْزِلَ فيكم ابنُ مَرْيَـمَ حَكَمًا مُقْسِطًا ، يَكْسِرُ الصَّليبَ ، ويَقتُلُ الـخِنْزيرَ ، ويَضَعُ الـجِزْيةَ ، ويَفِيضُ الـمالُ حتى لا يَقْبَلَه أَحدٌ." [12]

*** 

أحَدَ عَشِرَ ، بِعْثَتُهُ ، عَلَيْهِ السَّلامُ: التَّأكِيدُ عَلَى مَا جَاءَ فِي التَّوْرَاةِ ، وَالْوَعْظُ بِالإنْجِيلِ ، هُدًى وَنُورٌ لِلْمُتَّقِينَ

 ضَلَّ بَنُو إسْرَائِيلَ ، وَذَهَبُوا بَعِيدَاً عَنْ تَعَاليمِ رَسُولِ اللهِ ، مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، وَالأنْبِيَاءِ مِنْ بَعْدِهِ. فَأرْسَلَ اللهُ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، رَسُولَهُ عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، لِيُذَكِّرَهُم بِما جَاءَ فِي رِسَالَتِهِ إلَيْهِم ، أيْ فِي التَّوْرَاةِ ، وَلِيُبَيِّنُها لَهُم ، وَلِيُقَدِّمَ لَهُم إيضَاحَاتٍ جَدِيدَةً ، مِنْ خِلالِ الإنْجِيلِ ، هُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِين.

وَقَد ألْزَمَ اللهُ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، رُسُلَهُ بِتَبْلِيغِ رِسَالاتِهِ لِلنَّاسِ ، مَهْمَا وَاجَهُوا فِي ذَلِكَ مِنْ صُعُوبَاتٍ. وَكَانَ عَلَيْهِمُ الْمُثَابَرَةُ فِي أدَاءِ مُهِمَّاتِهِم ، مُسْتَخْدِمِينَ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي زَوَّدَهُمُ اللهُ بِهَا ، لإقْنَاعِ النَّاسِ بِصِدْقِ مَا جَاؤوهُم بِهِ.

وَفِي حَالَةِ رَسُولِ اللهِ ، عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، فَإنَّ طائِفَةً مِنْ بَني إسْرَائيلَ كَفَرَت بِهِ ، وحَتَّى إنَّهُم تَآمَرُوا عَلَى قَتْلِهِ. لَكِنَّ طائِفَةً أخْرَى مِنْهُم آمَنَتْ بِهِ وَبِالرِسَالَةِ الَّتِي أتَى بِها. وَهَؤلاءِ جَعَلَ اللهُ فِي قُلُوبِهِم رَأفَةً وَرَحْمَةُ. وَابْتَدعَ بَعْضُهُم رَهْبَانِيَّةً ، مَا كَتَبَها اللهُ عَلَيهِم ، وَإنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِهِ ، لَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُم مَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ، وَكَانُوا فَاسِقِينَ.

وَخُلاصَةُ الْقَوْلِ أنَّهُ قَد حَانَ الْوَقْتُ لأتْبَاعِ عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، لِيَعَودُوا إلّى تَعَالِيمِهِ ، خَاصَّةً التَّحَلِّي بِالرَّأفَةِ وَالرَّحْمَةِ  ، وَنَشْرِهِما بَيْنَ النَّاسِ ، كَما جَاءَ في الآيَاتِ الْكَرِيمَةِ التَّالِيَةِ:

وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ  (الْمَائِدَةُ ، 5: 46).

وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۖ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا (الأحْزَابُ ، 33: 7).  

شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ اللَّـهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ (الشُّورَى ، 42: 13). 

وَلَمَّا جَاءَ عِيسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُونِ ﴿٦٣ إِنَّ اللَّـهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ﴿٦٤ (الزُّخْرُفُ ، 43: 63-64).

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ ۖ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴿٢٦ ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّـهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ۖ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴿٢٧ (الْحَدِيدُ ، 57: 26-27).

*** 

اثْنَا عَشَرَ ، الْمُؤمِنُونَ لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، وَرُسُلِ اللهِ الأخَرِينَ

اخْتَلَفَ تَوَاصُلُ اللهِ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، مَعَ رُسُلِهِ بِاخْتِلافِ ظُروفِهِم. فَقَد كَلَّمَ بَعْضَهُم ، مِثْلَ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَمُحَمَّدًا ، عَلَيهِمُ سَلامُ اللهِ وَصَلاتُهُ أجْمَعِينَ. لَكِنَّ كَلامَهُ مَعَهُم كَانَ مِنْ خِلالِ وَحْيٍ ، أوْ حِجَابٍ ، مِثْلَ نَارِ سِينَاءَ ، أوْ رَسُولٍ ، وَهُوَ جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، وَذَلِكَ لأنَّ الْبَشَرَ لا يَسْتَطِيعُونَ تَحَمُّلَ الاتَّصَالِ الْمَسْمُوعِ أوْ الْمَرْئِيِّ مَعَ اللهُ ، جَلَّ وَعَلا (الشُّورَى ، 42: 51).

كَمَا أنَّ اللهَ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، قَد أيَّد رُسُلَهُ بِأنْوَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ ، لإقْنَاعِ النَّاسِ بِاتِّبَاعِهِم ، تِبْعَاً لاخْتِلافِ أزْمِنَتِهِم وَبِيئاتِهِم. وَتَبَايَنَتْ تِلْكَ الْمُعْجِزَاتِ مِنْ سَفِينَةِ نُوحٍ ، إلَى حِمايَةِ إبْرَاهِيمَ مِنَ النَّارِ ، إلَى عَصَا مُوسَى ، وَإلَى مُعْجِزَاتِ عِيسَى ، عَلَيْهِمُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ أجْمَعِينَ. وَقَد كَانَتْ تِلْكَ الْمُعْجِزَاتِ الْحِسِّيَّةِ مُقْتَصِرَةً عَلى أقْوَامِ تِلْكُمُ الرُّسُلِ ، زَمَانًا وَمَكَانًا ، وَلَمْ يَعُدْ لَها وُجُودٌ مِنْ بعْدِهِم. أمَّا الْمُعْجِزَةُ الَّتِي أيَّدَ اللهُ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، بِهَا رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أيْ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ ، فَهِيَ بَاقِيَةٌ لِكُلِّ النَّاسِ ، فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ. وَهِيَ إثْبَاتٌ عَلَى أنَّ اللهَ مَوْجُودٌ ، وَانَّ كِتَابَهُ هُوَ رِسَالَتُهُ الْبَاقِيَةُ لِهِدَايَةِ الْبَشَرِيَّةِ.

وَعَلَى الرَّغمِ مِنْ أنَّ اللهَ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، أخْبَرَنَا بِأنَّهُ قَد فَضَّلَ بَعْضَ الرُّسُلِ عَلَى الْبَعْضِ الآخَرِ ، إلَّا إنَّهُ أمَرَ الْمُؤمِنِينَ ألَّا يُفَرِّقُوا بَيْنَ رَسُولٍ وَآخَرَ ، وَأنْ يَذْكُرُوهُم بِالتَّوْقِيرِ وَالاحْتِرَام ، كَمَا عَلَّمَتْنا الآياتُ الْكَرِيمَةُ 42: 51 و 2: 253 و 2: 285 و 4: 163 و 48: 9 ، كَما يَلِي:

وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (الشُّورَى ، 42: 51).

تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّـهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ (الْبَقَرَةُ ، 2: 253).

آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (الْبَقَرَةُ ، 2: 285).

 إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ ۚ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (النِّسَاءُ ، 4: 163).

لِّتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (الْفَتْحُ ، 48: 9).  

*** 

الْخُلاصَةُ

كَانَ الْمَسِيحُ ، عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، رَابِعَ أُولِي الْعَزْمِ الْخَمْسَةِ مِنَ الرُّسُلِ ، الَّذِينَ عُرِفُوا بِعَزْمِهِم فِي تَبْلِيغِ رِسالاتِ اللهِ لِهِدايَةِ الْبَشَرِيَّةِ. لَكِنَّهُ اخْتَلَفَ عَنْ بَاقِي الرُسُلِ في أنَّ اللهَ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، خُلِقَهُ بِمُعْجِزَةٍ ، مِنْ غَيْرِ أبٍ ، كَما خَلَقَ آدَمَ قَبْلَهُ ، مِنْ غَيْرِ أبٍ وَلا أُمٍّ. 

وَقَد أيَّدَهُ اللهُ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فِي أداءِ مُهِمَّتِهِ بِأنْ مَكَّنَهُ مِنْ الْقِيَامِ بِمُعْجِزَاتٍ عَدِيدَةٍ ، لإقناعِ بَنِي إسْرَائِيلَ بِأنَّهُ رَسُولُهُ إلَيْهِم. وَمَعَ ذَلِكَ ، فَإنَّ بَعْضَهُم كَفَرُوا بِهِ وَبِالرِّسَالَةِ الَّتِي أتَى بِها ، وَقَالُوا عَلَىٰ أمِّهِ ، عَلَيْها السَّلامُ ، بُهْتَانًا عَظِيمًا. وَلَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ ، وَإنَّمَا تَآمَرُوا عَلَيْهِ ، لِقَتْلِهِ. لَكِنَّ اللهَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، أنْقَذَهُ ، بِرَفْعِهِ إلَى السَّمَاءِ حَيًّا ، بَيْنَمَا تَمَكَّنُوا مِنْ شَخْصٍ آخَرَ كَانَ شَبِيهًا لَهُ.

وَآمَنَتْ بِهِ طَائِفَةٌ أُخْرَى مِنْ بَنِي إسْرَائيلَ ، لَكِنَّ أحْفَادَهُم وَمَنْ آمَنَ بِهِ مَعَهُم بَعْدَ ذَلِكَ هُمْ أيضًا أسَاؤوا إلَيْهِ ، عِنْدَمَا زَعَمُوا أنَّهُ ابْنُ اللهِ ، بَلْ عَبَدُوهُ كَإلَهٍ ، مَعَ اللهِ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ.

وَيَدْحَضُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ أبَاطِيلَ الْفَرِيقَيْنِ ، فَيُؤكِدُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ أنَّهُ ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، هُوَ الْمَسِيحُ حَقًّا ، وَهُوَ رَسُولُ اللهِ ، الَّذِي خَلَقَهُ رَبُّهُ بِمُعْجِزَةٍ ، مِنْ دُونِ أبٍ. وَيُشِيرُ لِلَّذِينَ أمَنُوا بِهِ بِأنَّهُمْ قَد ارْتَكَبُوا غُلُوًّا كَبِيرًا فِي دِينِهِم ، عِنْدَمَا قَالُوا بِالثَّالُوثِ ، وَعَبَدُوهُ كَإلَهٍ ، أوْ مَعَ اللهِ.

وَبِمَا أنَّ عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، قَد رَفَعَهُ اللهُ إلى السَّمَاءِ ، فَإنَّهُ لا يَزَالُ هُنَاكَ ، فِي انْتِظَارِ الْوَقْتِ الَّذِي سَيَعُودُ فِيهِ إلَى الأرْضِ. عِنْدَها ، سَيَأمُرُهُ اللهُ بِالنِّزُولِ إلَى الأرْضِ ، لِيَقْتُلَ الدَّجَالَ ، وَيُقِيمَ حُكْمَاً عَادِلاً وَمُزْدَهِرًا عَلَى هَذَا الْكَوكَبِ.

وَمِنَ الْمُؤسِفِ وَالْمُحْزِنِ أنَّ الْكَثِيرِينَ مِنْ أتْبَاعِ رَسُولِ اللهِ عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، قَد رَكَّزُوا عَلَى طَبِيعَتِهِ ، بَدَلاً مِنَ التَّرْكِيزِ عَلَى رِسَالَةِ الْهِدَايَةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا ، كَغَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ.

فَفِي هَذا الْعَالَمُ ، الَّذِي تَفَشَّى فِيهِ سَفكُ الدِّمَاءِ ، وَالعُدْوَانُ ، والظُّلْمُ ، وَالْفَسَادُ ، وَالطُّغْيَانُ ، وَالطَّمَعُ ، وَالْلَامُبَالاةُ ، يَجْدُرُ بِأتْبَاعِ عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، أنْ يَعْمَلُوا بِما أمَرَهُم بِهِ ، وّذَلِكَ بِالتَّحَلِّي بِالتَّقْوَى ، وَحُبِّ النَّاسِ ، وَالرَّأفَةِ ، وَالرَّحْمَةِ ، وَالسَّلامِ.


 

مُلاحَظَاتٌ تَوْثِيقِيَّةٌ وَأسْتِطْرَادِيَّةٌ



[1] "اللهُ" ، اسمُ صفةٍ اختصَّ بِهِ الخالِقُ العظيمُ ، وهوَ وما عداهُ مِنْ أسْمَائِهِ الْحُسْنَى ، أسماءُ صفاتٍ لهُ ، تباركَ وتعالى. ولغوياُ ، فإنَّهُ يعني "الإلهَ." وقد حُذفتْ ألِفُهُ المهموزةُ لدخولِ أداةِ التعريفِ عليه ، فأصبحَ لفظُ الجلالةِ هذا ، "اللهَ" ، بالإدغامِ. وقد كانَ اسمُ "اللهِ" معروفاً أيضاً لِرُسُلِهِ السابقينَ ، عليهمُ السلامُ أجمعين.

وأخذاً برأيِّ نَحَوِيِي الْكُوفَةِ الذينَ قالوا باشتقاقِ الاسمِ مِنَ الفعل ، فإنَّ هذا الاسمَ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "ألِهَ" ، الذي يعني أنَّ العابدَ قد اتخذَ إلهاً ليعبُدَهُ. كما أنهُ مشتقٌ مِنَ الفعلِ "تَأَلَّهَ" ، الذي يعني أنَّ المعبودَ قد أعلنَ نفسَهُ إلهاً ، حتى يَعْرِفَهُ خَلْقُهُ فيعبُدُونَهُ.

وَلِلتَّعَرُّفِ عَلَى اللهِ ، الْخَالِقِ الْعَظِيمِ ، اقْرَأُ الْكِتَابِ الثَّالِثِ لِلْمُؤلِّفِ عَنْ الإسْلامِ ، وَهُوَ بِعِنْوَانِ: "اللهُ ، وَأسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى: مَنْ هُوَ؟ وَمَاذا يُرِيدُ لِلْبَشَرِيَّةِ؟"

ارْجِعْ لِلْمُلاحَظَةِ رَقًم 31 ، الَّتِي جاءَتْ في قِسْمِ نُوحٍ ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، في الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ هَذا الْكِتَابِ ، والَّتِي تَحْتَوِي عَلَى نُصُوصِ الآياتِ الْكَرِيمَةِ ، الَّتِي تَذْكُرُ أولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ.

[2] ذُكِرَ اسْمُ "عِيسَى" ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، خَمْسَاً وَعِشرينَ مَرَّةً فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، وَذَلِكَ في الآياتِ الْكَرِيمَةِ 2: 87 ، 2: 136 ، 2: 253 ، 3: 45 ، 3: 55 ، 3: 59 ، 3: 84 ، 4: 163 ، 4: 171 ، 5: 46 ، 5: 78 ، 5: 110 ، 5: 112 ، 5: 116 ، 6: 85 ، 19: 34 ، 33: 7 ، 42: 13 ، 43: 63 ، 57: 27 ، و 61: 6 ، 61: 14.

[3] اعْتَمَدَ هَذَا الْمُؤلِّفُ عَلَى تَفَاسِيرِ الْعَدِيدِ مِنَ الْمُفَسِّرينَ الْقُدَامَى ، خاصَّةً الطَّبَرِيِّ وَالْقُرْطُبِيِّ وَابْنِ كَثِيرٍ ، وَالْمُعَاصِرِينَ ، خاصَّةً الطَّنْطَاوِيِّ. جَزَاهُمُ اللهُ كُلَّ خَيْرٍ عَنْ أعْمَالِهِم الْعَظِيمَةِ ، في خِدمَةِ الإسْلامِ وَالْمُسْلِمِينَ. وَتَفَاسِيرُهُم مَوْجودَةٌ عَلَى مَوَاقِعَ عَديدَةٍ ، عَلَى الشَّبَكَةِ الْعَالَمِيَّةِ ، مِنْها ما يَلِي عَلى سَبِيلِ الْمِثَالِ:

فهرس تفاسير القرآن الكريم - المصحف الإلكتروني

القرآن الكريم مكتوب كامل - المصحف الشريف ( سورة قرآن surah quran )

https://waqfeya.com/books/%D8% 

[4] أخْبَرَنَا اللهُ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، بِأنَّهُ قَد خَلَقَ عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، بِكَلِمَةٍ مِنْهُ ، كَما جاءَ في الآيةِ الْكَرِيمَةِ 3: 45. وَهَكَذَا ، فَإنَّهُ قَالَ لَهُ: "كُنْ" ، فَكَانَ ، كَما جاءَ في الآيةِ الْكَرِيمَةِ 3: 47.

وَقَد ذُكِرَتْ قُدْرَةُ اللهُ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، عَلَى الْخَلْقِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ ، في ثَلاثِ آياتٍ أخْرَى ، مِنْ آيِّ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، هِيَ 2: 117 ، 19: 35 ، 40: 68.

[5] الإشَارَةُ الْقُرْآنِيَّةُ إلَى مَرْيَمَ ، عَلَيْها السَّلامُ ، عَلَى أنَّها أخْتُ هَارُونَ ، عَلَيْهِ السَّلامُ (مَرْيَمُ ، 19: 28) ، هِيَ إشَارَةٌ مَجازِيَّةٌ. فَهِيَ لَمْ تَكُنْ أخْتَهُ حَقَاً ، إذْ كانَ بَيْنَهُما حَوَالَي ألْفٍ وَمائتي عَامٍ ، مِنَ الأعْوَامِ الشَّمْسِيَّةِ. وَلَكِنَّها كانَتْ أخْتَهُ في الإيمَانِ ، حَيْثُ يَقُولُ اللهُ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، في كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ" (الْحُجُرَاتُ ، 49: 10). وَلا زَالَ الْمُسْلِمُونَ يُشِيرُونَ إلى بَعضِهِمُ الْبَعْضِ مَجَازاً عَلَى أنَّهُمُ أخْوَةٌ وَأخَوَاتٌ ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ الْمَسِيحِيُّونَ ، في السِّيَاقِ الدِّينِيِّ. كَما كَانَتْ أخْتَهُ في الْقَرَابَةِ  ، إذْ انْتَمَى كِلاهُما لإبْرَاهِيمَ ، عَلَيْهِ السَّلامُ. والأقْرَبُ إلى مَعْنَى ظَاهِرِ النَّصِّ أنَّها كانَتْ أخْتَاً لَهُ في الْعِفَّةِ ، حَيْثُ أنَّهُ كانَ أحَدَ أنْبِيَاءِ اللهِ وَرُسُلِهِ. وَهَكَذَا ، فَمَعْنَى قَوْلِهِم ذَاكَ أنَّهُ كانَ يَنْبَغِي عَلَيْها أنْ تَكُونَ مِثْلَ هارونَ في َعِفَّتِهِ.

[6]  وَصَفَ اللهُ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، جِبْريلَ ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، بِأنَّهُ "رُوحُ الْقُدُسِ" ، في أرْبَعِ آياتٍ ، مِنْ آيِّ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ. فَجَاءَ ذَلِكَ مَعَ ذِكْرِ أنَّ اللهَ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، قَد أرْسَلَ جِبْرِيلَ ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، بِالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، "لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ" (النَّحْلُ ، 16: 102). كما أرْسَلَ اللهُ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، "رُوحَ الْقُدُسِ" لِتَأييدِ رَسُولِهِ عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، وَلَكِنْ بِدُونِ تَفَاصِيلَ عَنْ نَوْعِيَّةِ التَّأييدِ (الْبَقَرَةُ ، 2: 87 ، 253).

وَجاءَتْ التَّفَاصِيلُ في الآيةِ الكريمةِ 5: 110 ، الَّتِي ذَكَرَتْ التَّأييدَ مَقْتَرِنَاً مَعَ إحْدى عَشْرَةَ مُعْجِزَةً ، قَامَ بِها عيسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، لإقْنَاعِ بَنِي إسْرَائِيلَ بِأنَّهُ كانَ رَسُولَ اللهِ إلَيْهِم. وَهَكَذَا ، فَإنَّ هَذِهِ الآيَّةَ الْكَرِيمَةَ تُقَدِّمُ لَنا دَلِيلاً آخَرَ عَلَى أنَّ عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، كَانَ إنْسَانَاً ، بِحَاجَةٍ لِتَأييدِ اللهِ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، لَهُ ، مِنْ خِلالِ ما قَدَّمَهُ لَهُ "رُوحُ الْقُدُسِ" ، جِبْرِيلُ ، غَلَيْهِ السَّلامُ. وَلَوْ كانَ إلَهَاً أوْ ابْنَ إلَهٍ ، كما زَعَمُوا ، لَمَا احْتَاجَ إلَى أيِّ تَأيِيدٍ ، مِنْ أيِّ أحَدٍ آخَرَ.

قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ (النَّحْلُ ، 16: 102).

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ۖ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 87).

تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ  ... (الْبَقَرَةُ ، 2: 253).

إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ۖ وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ (الْمَائِدَةُ ، 5: 110).

[7] مِنْ أسْبَابِ تَآمُرِ زُعَمَاءِ بَني إسْرَائِيلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ، عِيسَى ، عَلَيهِ السَّلامُ ، تَهْدِيدُهُ لِنُفُوذِهِم وَسُلْطتِهِم عَلَى النّاسِ. فَسَاقُوا لَهُ التُّهُمَ عَلَى مُخَالَفَاتِهِ الْعَدِيدَةِ لِلْأحْكامِ وَقَوَاعِدِ السُّلوكِ والْمَبَادِئِ الْمَوْجُودَةِ فِي كُتُبِهِم. وَكَادُوا لَهُ ، وَتَآمَرُوا عَلَى قَتْلِهِ ، بِتَحرِيضِ الرُّومانِ عَلَيْهِ ، بِحُجَّةِ أنَّهُ يَزْعُمُ بِأنَّهُ مَلِكِ الْيَهُودِ ، وّذَلِكَ مَثَلاً كما جاءَ في إنْجِيلِ يُوحَنَّا (5: 1-18 ، 10: 22-33) ، وَإنْجِيلِ لُوقَا (23) ، وَإنْجِيلِ مُرْقُس (11: 15-19 و 11: 27-33 و  12: 12-17 و 12: 38-40 و 14: 1-2 و 14: 53-65).

أنظرْ المُلاحَظَةَ رقم 9 ، في هذا الفصلِ (المُلاحَظَةَ رقم 28 في نُسْخَةِ الكِتابِ) ، في مَعرِض ذِكْرِ نَبِيِّ اللهِ إدْرِيسَ (أخنوخ) ، عليهِ السلامُ ، عَنْ كَيْفيةِ تعاطي المسلمينَ معَ التفاصيلِ والقِصَصِ التي كَتَبَها أو حَدَّثَ بها بَنو إسرائيلَ ، خاصةً في الكِتابِ المُقَدَّسِ. كذلكَ ، فإنَّها تَتَضَمَّنُ نَصًّيِّ الحَدِيثَيْنِ الشريفينِ والآياتِ الكريمةِ الأرْبَعَ الْمُشارَ إليها بهذا الْخُصوصِ. وَعَلَى الْعُمُومِ ، فَإنَّنَا لا نُكَذِّبُهُم ، وَلا نُصَدِّقُهُم ، كَما أوصانا رَسُولُ اللهِ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إلَّا إذا تَعَارَضَت أقْوَالُهُم مَعَ الْقُرآنِ الْكَرِيم. عِنْدَها ، فَإنَّنَا لا نَأخُذُ بِهَا ، وَنُكَذِّبُها.

[8] ذُكِرَ مِيلادُ نَبِيِّ اللهِ ، يَحْيَى  لِوَالِدِهِ زَكَرِيَّا وَزَوْجَتِهِ ، رَغْمَ كِبَرِ سِنِّهِما ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ جَمِيعاً ، كَإحْدى مُعْجِزَاتِ اللهِ في الْخَلْقِ ، وّذَلِكَ كَما جاءَ في الآياتِ الْكَرِيمَةِ 19: 1-11 و 3: 38-41 ، كَما يَلِي:

أعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

 كهيعص  ﴿١ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا  ﴿٢ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا  ﴿٣ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا  ﴿٤وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا  ﴿٥ يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا  ﴿٦ يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا  ﴿٧ قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا  ﴿٨ قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا  ﴿٩ قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً ۚ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا  ﴿١٠ فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا  ﴿١١ (مَرْيَمُ ، 19: 1-11). 

هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ  ﴿٣٨فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّـهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّـهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ  ﴿٣٩قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكَ اللَّـهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ  ﴿٤٠ قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً ۖ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ۗ وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ﴿٤١(آلِ عِمْرَانَ ، 3: 38-41). 

[9] تَمَّ اسْتِعْمَالُ الْفِعْلَ الْمَاضِي "قَالَ" ، في الآياتُ الْكَرِيمَةُ 116-119 ، مِنْ سورةِ الْمَائِدَةِ (5) ، لِلتَّعْبِيرِ عَنْ الْحَدِيثِ ، الَّذِي سَيَجْرِي بَيْنَ اللهِ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وَرَسُولِهِ عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ. وَيَتَّفِقُ ذَلِكَ مَعَ اسْتِعْمَالِ الزَّمَنِ الْمَاضِي أيْضَاً فِي الآياتِ الأُخْرَى ، الَّتِي تَتَنَاوَلُ أحْدَاثَ الْيَوْمِ الآخِرِ. وَالسَّبَبُ في ذَلِكَ هُوَ التَّعْبِيرُ عَنْ حَتْمِيَّةِ حُدُوثِ ذَلِكَ ، لأنَّ اللهَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، هُوَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ، الَّذِي يَعْلَمُ الْمَاضِي وَالْحَاضِرَ وَالْمُسْتَقْبَلَ.   

كَمَا تَمَّ اسْتِعْمَالُ الْفِعْلَ الْمَاضِي "تَوَفَّى" ، في الآيَةِ الْكَرِيمَةِ 117 مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ (5) أيْضَاً ، لِلتَّعْبِيرِ عَن اكْتِمَالِ سِجِلِّ رَسُولِ اللهِ عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، عَلَى الأرْضِ ، لَحْظَةِ رَفْعِهِ إلَى السَّماءِ ، لإنْقَاذِهِ مِنَ الْمُؤامَرَةِ عَلَى قَتْلِهِ. وَلَمْ يَتُمْ اسْتِعْمَالُ الْفِعْلَ "مَاتَ" ، بَدَلاً مِنْ ذَلِكَ ، لأنَّهُ لَمْ يَمُتْ بَعْدُ ، عَلِيْهِ السَّلامُ.

لِلْمَزِيدِ مِنَ التَّفْصِيلِ عَنْ الْفَرْقِ بَيْنَ "الْمَوْتِ" وَ "الْوَفَاةِ" ، انْطُرْ الْفَصْلَ التَّاسِعَ مِنَ الْكِتَابِ الأوَّلِ عَنْ الإسْلامِ ، لِهَذَا الْمُؤَلِّفِ (الإسْلامُ: رُؤيَةٌ عِلْمِيَّةٌ لِرِسَالَةِ اللهِ لِلْبَشَرِيَّةِ) ، وَهُوَ بِعُنْوَانِ: "الرُّوحُ وَالْعَقْلُ وَالنَّفْسُ وَالسَّعَادةُ ، مِنْ مَنْظُورٍ إسْلامِيٍ."

[10] انْظُرْ ، عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ ، الْمَصْدَرَيْنِ التَّالِيَيْنِ عَنْ نَشْأةِ وَتَطَوُّرِ عَقِيدَةِ الثَّالُوثِ ، عِنْدَ المَسِيحِيينَ:

Trinity,” by Rebecca Denova, published on 03 May 2021, World History Encyclopedia

عقيدة الثالوث عند النصارى دراسة تحليلية نقدية | مجلة الدراسات الإسلامية - جامعة كابل ، تَألِيف الدكتور شبير أحمد بن مولوي أحمد و الدكتور محمد أنور عبد الرشيد  ،  مجلد 2 ، عدد 1 ، 1447 (Arabic).

 

[11] انْظُرْ ، مَثَلاً ، كِتابَ "رِيَاضِ الصَّالِحِينَ" ، لِلْإمَامِ النَّوَوِيِّ ، فِي نُسْخَتِهِ الْوَرَقِيَّةِ ، الَّذِي نَشَرَتْهُ دَارُ الْعَرَبِيَّةِ لِلطِبَاعَةِ ، فِي بَيْرُوتَ ، لُبْنَان. وَيَتَضَمَّنُ الْبَابُ 370 مِنْهُ ، وَهُوَ بِعُنْوَانِ "كِتَابِ الْمَنْثُورَاتِ" ، اثْنَي عَشَرَ حَدِيثًا شَرِيفًا ، عَنْ الدَّجَّالِ ، وَالَّتِي تَحْمِلُ الأرْقَامَ 1805-1816.

وَالْكِتابُ مَنْشُورٌ أيْضًا فِي مَوَاقِع عَدِيدَةٍ عَلَى الشَّبَكَةِ الْعَالَمِيَّةِ ، مِثْل:  

فصل: باب المنثورات والملح  نداء الإيمان(al-eman.com)

كَذَلِكَ ، فَإنَّ أحَادِيثَ الدَّجَّالِ مَوْجُودَةٌ في مَوَاقِعَ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ ، عَلَى الشَّبَكَةِ الْعَالَمِيَّةِ ، مِثْل "الدُّرَرِ السُّنِّيَةِ" (www.dorar.net). وَبِالْبَحْثِ عَنْ كَلِمَةِ "الدَّجَّالِ" ، فِي هَذَا الْمَوْقِعِ ، يُمْكِنُ الْحُصُولُ عَلَى 482 حَدِيثًا لِغَيْرِ الْمُتَخَصِّصِينَ و 1576 لِلْمُتَخَصِّصِينَ ، لَكِنْ الْكَثِيرَ مِنْها رُوَايَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ لِلْحَدِيثِ الْوَاحِدِ.

الدرر السنية - الموسوعة الحديثية - نتائج البحث (dorar.net)

 [12] نَصُّ وَتَوْثِيقُ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ عَنْ نِزُولِ عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، وَحُكْمِهِ عَلَى الأرْضِ ، كَما يَلِي:

عَنْ أبي هٌرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، أنَّ رَسُولَ اللهِ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسِلَّمَ ، قَالَ: "لا تقومُ السَّاعةُ حتَّى ينزِلَ عيسَى ابنُ مريمَ حَكَمًا مُقسِطًا وإمامًا عَدلًا فيَكْسرُ الصَّليبَ ويقتُلُ الخنزيرَ ويضَعُ الجِزيةَ ويَفيضُ المالُ حتَّى لا يقبلَهُ أحدٌ" (صححهُ الألبانيُّ ، في صحيحِ الجامِعِ: 7077 ، وعن صحيحِ ابنِ ماجه: 3312. وأخرجهُ ابنُ ماجه: 4078 ، ، واللفظُ لَهُ ، والبخاريُّ: 2476 ، 3448 ، ومسلمُ: 155).

وَالْجَدِيرُ بِالذِّكْرِ أنَّهُ عِنْدَ عَوْدَةِ عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، إلَى الأرْضِ ، فَإنَّهُ لَنْ يَأتِ بِرِسَالَةٍ جَدِيدَةٍ ، وَإنَّمَا سَيَأتِي لِمُقَاتَلَةِ الدَّجَّالِ ، وَقَتْلِهِ ، وَلإقَامَةِ حُكْمٍ عَادِلٍ وَمُزْدَهِرٍ ، بِنَاءً عَلَى الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ ، يَدُومُ أرْبَعِينَ سَنَةٍ. وَعِندَما يَمُوتُ ، يُصَلِّي المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ ، وّذَلِكَ كَمَا نَعْلَمُ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ التَّالِيَيْنِ:

عَنْ مَجمَعٍ بنِ جاريةَ ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، أنَّ رَسُولَ اللهِ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسِلَّمَ ، قَالَ: "يَقْتُلُ (لَيَقتُلَنَّ) ابنُ مريمَ الدَّجَّالَ بِبابِ لُدٍّ" (صَحَّحَهُ الألبانِيُّ ، في صحيحِ الجامعِ: 5462 ، وعَنْ صَحِيحِ التِّرْمِذِي: 2244 ، وأخرجَهُ التِّرْمِذِيُّ: 2244 ، وأحْمَدُ: 15467 ، بِاختِلافٍ يَسيرٍ).

عًن أبي هٌرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، أنَّ رَسُولَ اللهِ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسِلَّمَ ، قَالَ: "ليس بيني وبينَ عيسى نبيٌّ ، وإِنَّه نازلٌ ، فإذا رأيتُموه فاعرِفوه ، رجلٌ مربوعٌ ، إلى الحمرةِ والبياضِ ، ينزِلُ بينَ مُمَصَّرَتَيْنِ ، كأنَّ رأسَهُ يقطُرُ وإِنْ لم يُصِبْهُ بلَلٌ ، فيقاتِلُ الناسَ على الإسلامِ ، فيَدُقُّ الصليبَ ، ويقتلُ الخنزيرَ ، ويضعُ الجزيَةَ ، ويُهْلِكُ اللهُ في زمانِه الملَلَ كلَّها إلَّا الإسلامَ ، ويُهْلِكُ المسيحَ الدجالَ ، فيمكُثُ في الأرضِ أربعينَ سنَةً ، ثُمَّ يُتَوَفَّى ، فيُصَلِّي عليه المسلمون" (صححهُ الألبانيُّ ، في صحيحِ الجامِعِ: 5389 ، وأخرجهُ أبو داودَ: 4324 ، وأحمدُ: 9270 ، باختلافٍ يسيرٍ).