الْكِتَابُ الرَّابِعُ

***

رُسُلُ اللهِ إلَى خَلِيفَتِهِ عَلَى الأرْضِ

تَألِيفُ

حَسَن عَلِي النَّجَّار

1447 ه \ 2026 م

***

الْفَصْلُ السَّادِسُ

مُوسَى:

الرَّسُولُ المُؤَيَّدُ بِتِسْعِ مُعْجِزَاتٍ

عليه السلام

***

أعوذُ باللهِ منَ الشيطانِ الرجيم

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ 

 

 

 

 

 

 

مُقَدِّمَةٌ

كَانَ رَسولُ اللهِ ، مُوسَى ، ثَالِثَ أُولي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ، مِنْ بعدِ نُوحٍ وإبراهِيمَ ، وتَبِعَهُ في ذلكَ عِيسَى ومُحَمَّدٌ ، عليهِمُ سلامُ اللهِ وبَرَكاتُهُ أجمعينَ. وكانتْ قِصَّتُهُ أطوَلَ قِصَّةٍ رُوِيَتْ عَنْ رُسُلِ اللهِ وأنبيائِهِ ، في الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ. [1]

وَقَد ذُكِرَ اسمُ رَسولِ اللهِ ، مُوسَى ، عليهِ السلامُ ، 136 مَرَّةً في الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، وذَلِكَ أكثَرُ مِنَ عَدَدِ مَرَّاتِ ذِكْرِ اسٍمِ أيِّ رَسولٍ أو نَبيٍّ أخَرَ. والحَقيقَةُ أنَّ قِصَّةَ مُوسَى وقَوْمِهِ ، أيْ بَني إسْرَائِيلَ ، حاضِرَةٌ بِقُوَّةٍ ، وتَتِمُّ الإشارَةُ إليها كَثِيراً في الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، بِغَرَضِ هِدايَةِ الْبَشَرِيَّةِ ، مِنْ خِلالِ الدُّروسِ والْعِبَرِ الْمَوْجودَةِ فيها. [2]

وَتَبدَاُ الْقِصَّةُ بِاخْتِيارِ اللهِ ، تَبارَكَ وَتَعالَى ، لِموسَى ، لإنْقاذِ بَني إسْرَائيلَ ، وذلكَ بِإرسالِهِ إلى مَلِكِ مِصْرَ ، فِرعَوْنَ ، الذي كانَ يَسْتَعْبِدُهُم ويُسِيءُ مُعامَلَتَهُم. كما أرسلَ اللهُ أخاهُ هارونَ ، عليهِ السلامُ ، مَعَهُ ، لِيُساعِدَهُ في تلكَ الْمُهِمَّةِ ، مِنْ خِلالِ إيضاحِ الرسالةِ ، لأنَّهُ كانَ أكثرَ طَلاقَةً وفَصاحَةً مِنْهُ.

وعِندَما لم يُصَدِّقْ فِرْعَوْنُ بِأنَّ مُوسَى كانَ رَسولَ اللهِ إليهِ ، فإنَّ اللهَ ، سُبْحَانَهُ وَتَعالَى ، أيَّدَ رَسولَهُ بِتِسعِ مُعجِزاتٍ ، لِلتَّدليلِ على ذلكَ. لَكِنَّ فِرعَوْنَ استَمَرَّ على تَكذيبهِ لَهُ ، رافِضاً السَّماحَ لِبَني إسرائيلَ بِالخُروجِ مِنْ مِصْرَ. فَأَمَرَ اللهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، رَسولَهُ بِقِيادَتِهِم في الخُروجِ مِنها ، في إحدى الليالي ، قاصِدينَ الأرضِ الْمُقَدَّسَةِ. فَتَوَجَّهُوا شَرقاً إلى شِبهِ جزيرَةِ سِيناءَ ، حَتَّى وصَلُوا إلى خَليجِ السُّوَيْسِ.

وَلَمَّا عَلِمَ فِرعَوْنُ بِخُروجِهِم ، سارَ بِجُنودِهِ لِلِّحاقِ بِهِم. فَضَرَبَ موسَى بِعَصاهُ البحرَ ، فَانْفَلَقَ إلى جَبَلَيْنِ عظيمَيْنِ مِنَ الماءِ. فَمَرَّ بَنو إسْرائيلَ مِنْ بينِهِما بِسَلامٍ ، بَيْنما غرِقَ فيهِ فِرعَوْنُ وجنودُهُ أجمعينَ.

وعلى الرَّغْمِ مِنْ أنَّ بَني إسْرَائيلَ قد رَأَوْا تِلْكَ الْمُعْجِزَةِ بِأعيُنِهِم ، إلَّا إنَّهُم قد أرهَقوا رَسولَ اللهِ ، مُوسَى ، عليهِ السلامُ ، كَثِيرَاً ، بَعْدَ ذلكَ. فَفِي أيامِ غِيابِهِ عنهُم ، لِلِقاءِ رَبِّهِ ، عَبَدوا الْعِجْلَ الذَّهَبِيَّ ، وكادوا أنْ يَقْتُلُوا أخاهُ ، هارونَ ، عليهِ السلامُ.

وَبِالْمُقارَنَةِ مَع قِصَصِ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ الآخَرِينَ ، فَإنَّ قِصَّةَ مُوسَى ، عليهِ السلامُ ، كانَتْ فَرِيدَةً في ذِكْرِها لِكَيْفِيَّةِ تَبْليغِ الرِّسالَةِ. فَقد اخْتارَهُ اللهُ ، تَبارَكَ وتَعالَى ، مُوسَى ، وَحْدَهُ ، لِتَبْليغِ رِسالَتِهِ إلى فِرْعَوْنَ (الأعْرَافُ ، 7: 104). لَكِنَّهُ أجابَهُ إلى طَلَبِهِ بَعدَ ذَلِكَ ، بأنْ يُرْسِلَ أخاهُ هارونَ ، عليهِ السلامُ ، مَعَهُ ، لأنَّهُ كانَ أفْصَحَ لِسانًا مِنْهُ (الْقَصَصُ ، 28: 34). وَهَكَذا ، تَمَّتْ الإشارَةُ إلَيْهِما مَرَّةً كَرَسُولٍ واحِدٍ (الشُّعَرَاءُ ، 26: 16) ، وَمَرَّةً أُخْرَى كَرَسُولَيْنِ يَحْمِلانِ رِسالَةً واحِدَةً إلى فِرْعَوْنَ ، لِيَتَوَقَّفَ عَنْ تَعذِيبِهِ لِبَني إسْرَائيلَ ، ويَسْمَحَ لَهُم بِالْخُرُوجِ مِنْ مِصْرَ (طَهَ ، 20: 47) ، وَذَلِكَ كَما يلي:  

وَقَالَ مُوسَىٰ يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (الأعْرَافُ ، 7: 104).

وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ (الْقَصَصُ ، 28: 34).

فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (الشُّعَرَاءُ ، 26: 16).

فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ ۖ (طَهَ ، 20: 47).

وَيَعْتَقِدُ بَعْضُ الْمُؤَرِّخِينَ وَبَعْضُ عُلَماءِ الكِتابِ الْمُقَدَّسِ أنَّ خُرُوجَ بَني إسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ قَد حَدَثً في عامِ 1202 قَبْلَ الْمِيلادِ ، وَمِنْ ثّمَّ تاهوا في سِينَاءَ أرْبَعِينَ سَنَةً ، كما ذَّكَرَتْ الآيةُ الكريمةُ 5: 26. ولَمْ يَدخُلوا أرضَ كَنْعانٍ الْمُقَدَّسَةِ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ مُوسَى ، عليهِ السلامُ. [3]

قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (الْمَائِدَةُ ، 5: 26).

وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أنَّهُ مِنْ غَيْرِ الْمُمْكِنِ أنْ يَتِمَّ تَناوُلُ قِصَّةَ مُوسى ، عليهِ السلامُ ، بِدُونِ اشْتِمالِ ذَلِكَ عَلَى بَني إسْرَائيلَ ، إلَّا أنَّ هذا الْفَصْلَ يُرَكِّزُ على بِعْثَتِهِ وَالدُّرُوسِ التي أرَادَ اللهُ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، لِلْبَشَرِيَّةِ أنْ تَتَعَلَّمَ مِنْها. أمَّا قِصَّةُ بَني إسْرَائيلَ ، كَمَا ذُكِرَتْ في الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، فَهِيَ أكْبَرُ كَثِيرًا مِنْ أنْ يُغَطِّيها فَصْلٌ وَاحِدٌ في كِتابٍ. بَلْ إنَّها تَسْتَوْجِبُ كِتابًا كامِلًا ، خاصًّا بِها.

وَيَنْقَسِمُ هَذَا الْفَصْلَ إلى أحَدَ عَشَرَ قِسمًا ، تَشْتَمِلُ على وِلادَةِ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، ثُمَّ تَبَنِيهِ وَنَشْأَتِهٍ في قَصْرِ فِرْعَوْنَ ، فَهُروبِهِ مِنْ مِصْرَ ، واسْتِقْرارِهِ في مَدْيَنَ ، وَتَكْلِيمِ اللهِ لَهُ وَتَكْليِفِهِ بِبِعْثَتِهِ ، وَعَوْدَتِهِ إلى مِصْرَ ، وَمُواجِهَتِهِ لِفِرْعَوْنَ ، وَمُطالَبَتِهِ لَهُ بِتَحْرِيِرِ بَني إسْرائيلَ والسَّماحِ لَهُم بِالْخُروجِ مِنْ مِصْرَ ، وَرَفْضِ فِرْعَوْنَ لِذلِكَ على الرَّغْمِ مِنْ آياتِ اللهِ التِّسْعِ التي رآها. كما تَتَناوَلُ الخُروجَ وَمُعْجِزَةَ انْفِلاقِ الْبَحْرِ ، وَمَوْتَ فِرْعَوْنَ غَرَقًاً ، وَحِفْظَ جَسَدِهِ كَآيَةٍ وَعِبْرَةٍ لِلْبَشَرِيَّةِ ، وَامْتِناعَ بَني إسْرائيلَ عَنْ دُخولِ الأرْضِ الْمُقَدَّسَةِ مِنْ جِهَةِ السَّاحِلِ ، وَتِيهَهُم أرْبَعِينَ سَنَةٍ في سِيناءَ ، وَتَسَلُّمَ الألواحِ ، وعِبادةَ بني إسْرائيلَ لِلْعِجْلِ الذَّهَبِيِّ أثْناءَ غِيابِهِ لِلِقاءِ رَّبِّهِ ، ولِقاءَهُ بِالْخَضِرِ ، لِيَتَعَلَّمَ مِنْهُ دَرْسًا يُفيدُ الْبَشَرِيَّةِ جَمْعاءَ.

***

أولًا ، وِلادَةُ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، وَ تَبَنِيهِ وَنَشْأَتُهُ في قَصْرِ فِرْعَوْنَ

وُلِدَ مُوسَى ، عَلَيهِ السلامُ ، في وَقْتٍ كانَتْ مِصْرُ يَحْكُمُها مَلِكٌ طاغِيَةٌ ، هُوَ فِرْعَوْنُ ، الذي فَرَّقَ رَعاياهُ إلى جماعاتٍ سُكَّانِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ. وبَالَغَ في فَسَادِهِ عِنْدَما اسْتَضْعَفَ بَنِي إسْرائيلَ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ الْجَمَاعاتِ ، وسامَهُم سُوءَ الْعَذابِ. فكانَ يُذَبِّحُ أبْناءَهُم ويُبْقِي على نِسائِهِم أحْياءَ. فَشَاءَ الْعَلِيُّ الْقَدِيرُ أنْ يُنْقِذَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ ظُلْمِهِ ، وَذَلِكَ بإنْزَالِ عِقابِهِ بِهِ ، هُوَ ورَئيسِ وِزَرَائِهِ ، هامانَ ، وَجُنودِهِما ، كَما ذَكَرَتْ لَنا الآياتُ الكريمةُ 28: 1-6.     

أعوذُ باللهِ منَ الشيطانِ الرجيم

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ  

 طسم ﴿١ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴿٢ نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿٣ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴿٤ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴿٥ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴿٦  (الْقَصَصُ ، 28: 1-6).  

*** 

فَأوْحَى اللهُ ، سُبْحانَهُ وَتَعالَى ، إلى أُمِّ مُوسَى بأنْ تَضَعَهُ في صُنْدوقٍ ، وتُلْقِيَ الصُّنْدُوقَ في نَهْرِ النِّيلِ. فَأَخَذَهُ الْماءُ إلى قَصْرِ فِرْعَوْنَ ، حَيْثُ الْتَقَطَهُ الْخَدَمُ ، وأحْضَروهُ إلى زَوْجَةِ فِرعونَ ، قَبْلَ وِصولِ الْجُنودِ إلَيْهِ ، لِيَقْتُلوهُ ، كما كانوا يَفعَلُونَ بِالذِّكورِ مِنَ مَوَاليدِ بَنِي إسْرائيلَ. وَتَمَكَّنَتْ زَوْجَةُ فِرعَوْنَ مِنْ إقْناعِهِ بِإبْقاءِ الطِّفْلِ عَلى قَيْدِ الْحَياةِ ، وَبِتَبَنِّيهِ أيْضَاً ، إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُما أبْناءً ذُكوراً في ذَلِكَ الْحينِ. لَكِنَّ الطِّفْلَ مُوسَى رَفَضَ الرِّضاعَةَ مِنْ كُلِّ الْمُرْضِعَاتِ اللاتي أتَوْا بِهِنَّ إلَيْهِ. وَهُنا أخْبَرَتْهُم أخْتُهُ بِأنَّها تَعْرِفُ مُرْضِعَةً أخْرى ، يُمْكِنُ أنْ يَتَقَبَّلَها ذَلِكَ الرَّضيعُ. وَكانتْ تِلْكَ أمُّهُ ، التي تَقَبَّلَها بِالطَّبْعِ ، مِمَّا أسْعَدَها وأزالَ عَنْها الْخَوْفَ وَالْحَزَنَ ، كما وَصَفَتْ لَنا الآياتُ الكريمةُ 28: 7-13 و 20: 38-40.

وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿٧ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ ﴿٨ وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿٩ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٠وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ ۖ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿١١وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ﴿١٢ فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّـهِ حَقٌّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿١٣ (الْقَصَصُ ، 28: 7-13).  

إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ ﴿٣٨ أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي ﴿٣٩ إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يَا مُوسَىٰ ﴿٤٠ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴿٤١  (طَهَ ، 20: 38-40). 

***

ثَانِيًا ، الْهُرُوبُ مِنْ مِصْرَ

وَهَكَذَا ، عاشَ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، وَتَرَبّى في قَصْرِ فِرْعَوْنَ ، كَابْنِهِ الْمُتَبَنَّى ، لَكِنَّهُ كانَ عَلى عِلْمٍ بِنَسَبِهِ لِبَني إسْرائيلَ. وَفي أحَدِ الأيَّامِ ، وَبَعْدَما أصْبَحَ رَجُلًا قَوِيًّا ، شاهَدَ رَجُلًا مِصْرِيًّا وَآخَرَ مِنْ بَني إسْرائيلَ يَقْتَتِلانِ. فَاسْتَغاثَ بِهِ الإسْرائيليُّ ، فَضَرَبَ مُوسى الرَّجُلَ الْمِصْرِيَّ ضَرْبَةً قَضتْ عَلَيْهِ. وَنَدِمَ مُوسى على ما فَعَلَ ، واسْتَغفَرَ رَبَّهُ ، فَغَفَرَ لَهُ الْغَفورُ الرَّحِيمُ. وفي صَباحِ الْيَوْمِ التَّالي ، تَكَرَّرَ الْمَشْهَدُ ، لَكِنَّ مُوسَى لَمْ يَقْتُلْ الْمِصْرِيَّ هَذهِ الْمَرَّةَ. وَجاءَ رَجُلٌ عَلى عَجَلٍ لِيُنْذِرَ مُوسَى بِأنَّ الجُنودَ يَبْحَثونَ عَنْهُ ، لِيَقْتُلوهُ ، عِقابًا لَهُ عَلى قَتْلِ الْمِصْرِيِّ في الْيَوْمِ السَّابِقِ. فأصْبَحَ خائفًا ، وقَرَّرَ الْهُروبَ مِنْ مِصْرَ ، تَفادياً لِلْعُقوبَةِ ، داعيًا رّبَّهُ أنْ يُنْجِيَهُ مِنْ الْقَوْم الذينَ كانوا يَظْلِمونَ قَوْمَهُ ، وَذَلِكَ كَما جاءَ في الآياتِ الكريمةِ 28: 14-21.

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿١٤ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ قَالَ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ ﴿١٥ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿١٦ قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ ﴿١٧ فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَىٰ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ ﴿١٨ فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ﴿١٩وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ﴿٢٠ فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿٢١  (الْقَصَصُ ، 28: 14-21).  

***

ثَالِثًا ، الْلُجُوءُ إلى مَدْيَنَ وَالاسْتِقْرَارُ فِيها

خَرَجَ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، مِنْ مِصْرَ ، مُتَّجِهَاً إلى الشَّرْقِ ، مِنْ خِلالِ صَحْرَاءِ سِينَاءَ ، حَتَّى وَصَلَ إلى مَدْيَنَ ، التي يُعْتَقَدُ بِأنَّها تَقَعُ الْيَوْمَ فِي الشَّمالِ الْغَربِيِّ لِلسَّعُودِيَّةِ والْجَنُوبِ الْغَرْبِيِّ لِلْأُرْدُنِّ. وَهُناكَ ، رَأَى امْرَأَتَيْنِ بِحاجَةٍ لِلْمُسَاعَدَةِ في سُقْيا حَيَواناتِهِما ، مِنَ الْبِئْرِ. فَسَقى لَهُما ، ثُمَّ آوَى إلى ظِلِّ شَجَرَةٍ ، وَهُوَ جائعٌ وَتَعِبٌ ، مِنْ سَفَرِهِ الطَّوِيلِ. فَدَعا رّبَّهُ أنْ يَرْزُقَهُ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِنْ طَعامٍ وَشَرابٍ وإيواءٍ وأمانٍ. وَلَم يَتَأَخَّرْ غَوْثُ الرَّزَّاقُ الْكَرِيمُ إلَيْهِ. فَقَد عادَتْ إحْدى الامْرَأَتَيْنَ الْلَّتَيْنِ سَقا لَهُما ، لِتَدعُوهُ إلى لِقاءِ أبِيها ، الذي أرَادَ أنْ يُكافِئَهُ على ما قَدَّمَ مِنْ مُساعَدَةٍ لابْنَتَيْهِ. وَعِندما أْخْبَرَهُ مُوسَى بِقِصَّتِهِ ، طَمْأنَهُ الشَّيْخُ ، وأخْبَرَهُ بِألَّا يَخافَ ، وَأنَّهُ أصْبَحَ في مَأمَنٍ ، بَعْدَ أنْ وَصَلَ إلى مَدْيَنَ. وَطَلَبَتْ إحْدى الابْنَتَيْنِ مِنْ أبيها أنْ يَسْتَأجِرَهُ ، بَعدَما تَبَيَّنَ أنَّهُ قَوِيٌّ في أدائِهِ لِلْعَمَلِ ، وَأمِينٌ في تَعامُلِهِ مَعَهُما. فَعَرَضَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ أنْ يُزَوِّحَهُ احْدَى ابْنَتَيْهِ ، في مُقَابِلِ رَعْيِهِ لِحَيَواناتِهِم ، لِثَمانِ سِنِينَ ، ثُمَّ طَلَبَ مِنْهُ أنْ يَزِيدَ الْمُدَّةَ بِسَنَتَيْنِ أخْرَيَيْنِ ، إنْ شاءَ ، كَتَلَطُّفٍ مِنْهُ ، وَذَلِكَ كَما وَرّدَ في الآياتِ الكريمةِ 28: 22-28.

وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴿٢٢ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴿٢٣ فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴿٢٤ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿٢٥ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴿٢٦﴾ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّـهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿٢٧ قَالَ ذَٰلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّـهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴿٢٨ (الْقَصَصُ ، 28: 22-28). 

***

رَابِعًا ، كَلامُهُ مَعَ اللهِ ، تَبَارَكَ وَتَعالَى ، وَتَكْلِيفُهُ بِبِعْثَتِهِ

وَعندَمَا أكْملَ مُوسَى ، عَلَيْهُ السَّلامُ ، عَشْرَ سِنِينَ مِنَ الْعَمَلِ عِندَ حَمِيِّهِ ، قَرَّرَ أنْ يَعودَ هُوَ وأسْرَتُهُ وَمَعَهُم ما امْتَلَكُوا مِنْ حَيَواناتٍ ، لِزِيارَةِ أهْلِهِ وأقارِبِهِ في مِصْرَ. وأثْناءَ سَفَرِهِم في سِيناءَ ، رَأى نارًا بِالْقُرْبِ مِنْ جَبَلِ الطُّورِ. فَطَلَبَ مِنْ أفْرادِ أسْرَتِهِ الْبَقَاءَ في مَكَانِهِم ، رَيثَما يَسْتَطْلِعُ خَبَرَ تِلْكَ النَّارِ ، أو يَأتِيهِم بِقَبَسٍ مِنها يَستَفِيدُونَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ. لَكِنَّهُ عِنْدَما وَصَلَ إلَيْها ، وَجَدَها تَشْتَعِلُ في شَجَرَةٍ دُونَ أنْ تَحْرِقَها ، وسَمِعَ رّبَّهُ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، يُكَلِّمُهُ ، قَائِلًا: "يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّـهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ" (الْقَصَصُ ، 28: 29-30). [4]

وَشَاءَ اللهُ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، أنْ يُرِيَ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، دَلِيلَيْنِ يُفِيدانِهِ بِأنَّهُ كانَ في حَضْرَةِ اللهِ ، عَزَّ وَجَلَّ. فَأمَرَهُ أنْ يُلْقِيَ عَصاهُ عَلَى الأرْضِ ، والَّتي اسْتحالَتْ إلى ثُعْبانٍ عَظِيمٍ ، يَهْتَزُّ في حَرَكَتِهِ السَّرِيعَةِ ، عِنْدَما فَعَلَ ذلِكَ. فَخافَ مُوسَى وَهَرَبَ مِمَّا رأى ، فَناداهُ اللهُ بأنْ يَرْجِعَ ، وطَمْأنَهُ بِأنَّهُ في أمانٍ. وَكَدَليلٍ آخَرَ ، أمَرَهُ أنْ يضَعَ يَدَهُ في جَيْبِهِ ، ثُمَّ يُخْرِجُها مِنْهُ. فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ ، رأى أنَّ يَدَهُ قد أصْبَحَتْ بَيْضاءَ الْلَّونِ ، دونَ حُدُوثِ أيِّ سُوءٍ لَها.

فَلَمَّا اسْتَيْقَنَ مْوسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، أنَّهُ كانَ بِحَضْرَةِ رَبِّهِ ، شاءَ اللهُ ، تَبارَكَ وَتًعالَى ، أنْ يُكَلِّفَهُ بِالْغَرَضِ الرَّئيسِ مِنْ بِعْثَتِهِ. فَأمَرَهُ بِالذِّهابِ إلى فِرْعَونَ ، لِيَطْلُبَ مِنْهُ بِأنْ يَتَوَقَّفَ عَنْ ظُلْمِهِ لِبَني إسْرائيلَ ، وَيَدَعَهُم يَخْرُجُونَ مِنْ مِصْرَ. فَرَدَّ مُوسَى بِأنَّهُ يَخافُ أنْ يَقْتُلُوهُ ، عِقابَاً لَهُ عَلَى ما فَعَلَ سابِقًا. لَكِنَّ اللهً ، عَزَّ وجَلَّ ، أكَّدَ لَهُ أنَّهُ سَيَحْمِيهِ مِنْهُم. عِنْدَها ، طَلَبَ مُوسَى مِنْ رَبِّهِ أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ أخاهُ هارونَ ، لأنَّهُ كانَ أكْثَرَ مِنْهُ فَصاحَةً وَطَلاقَةً. فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ عَلَى طَلَبِهِ ، وَوَعَدَهُما بِالْحِمايَةِ والْغلَبَةِ ، لَهُما وَلِمَن اتَّبَعَهُما ، كَما أخْبَرَتْنا الآياتُ الْكَريمَةُ 28: 29-35 ، 20: 9-98 ، 26: 10-17 ، 27: 7-14 ، كَما يَلي:  

فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ﴿٢٩ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّـهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴿٣٠ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ ﴿٣١ اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ﴿٣٢ قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ ﴿٣٣وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ﴿٣٤ قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ ﴿٣٥  (الْقَصَصُ ، 28: 29-35).   

وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿١٠ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ ﴿١١ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ﴿١٢ وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ ﴿١٣ وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ ﴿١٤ قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ ﴿١٥ فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٦ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿١٧  (الشُّعَرَاءُ ، 26: 10-17). 

إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ﴿٧ فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٨ يَا مُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا اللَّـهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٩ وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ۚ يَا مُوسَىٰ لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ﴿١٠ إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿١١ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ۖ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ﴿١٢ فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴿١٣ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴿١٤ (النَّمْلُ ، 27: 7-14). 

اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي ﴿٤٢ اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ ﴿٤٣ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ ﴿٤٤ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَىٰ ﴿٤٥قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ ﴿٤٦ فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَىٰ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَىٰ ﴿٤٧ إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ﴿٤٨  (طَهَ ، 20: 42-48). 

***   

خَامِسًا ، مُوَاجَهَتُهُ مَعَ فِرْعَوْنَ ، وَطَلَبُهُ مِنْهُ بِتَحْرِيرِ بَني إسْرَائيلَ

وَلَمَّا وَصَلَ مُوسَى إلى مِصْرَ ، أخّذَ مَعَهُ أخاهُ هارُونَ لِلِقاءِ فِرعَونَ وَمَلَأهِ الْمُقَرَّبِينَ. وَلَمَّا طَلَبا مِنْهُ أنْ يَسْمَحَ لِبَني إسْرائيلَ بِالْخُرُوجِ مِنْ مِصْرَ ، رَفَضَ فِرْعَوْنُ الطَّلَبَ. وأيَّدَهُ في ذلكَ رَئيسُ وُزَرائِهِ هامانُ ، وَكَذَلِكَ قارونُ ، الَّذي كانَ مٌقَرَّبًا مِنْهُ رَغْمَ أنَّهُ كانَ إسْرَائِيلِيًّا ، نَظَرَاً لِغِناهِ الْفاحِشِ وَلِوَلائِهِ لَهُ. وَزادُوا عَلَى رَفْضِهِم بِاتِّهامِ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، بِأنَّهُ سَاحِرٌ كَذَّابٌ.

وَلَمْ يَكْتَفُوا بِذلكَ ، بَلْ إنَّهُم عادوا إلى قَتْلِ أبْناءِ الإسرائيليينَ واسْتِحْياءِ نِسائِهِم. وأعْلنَ فِرعَوْنُ عَن نِيَّتِهِ بِأنَّهُ سَيَقْتُلُ مُوسَى ، وَذّلِكَ لِيَرَى مَا إذّا كانَ رّبَّهُ سَيَحْمِيهِ أمْ لا. لَكِنَّ رَجُلًا مِنْ أقْرِبائِهِ ، كانَ يُخْفِي إيمانَهُ بِاللهِ ، تَمَكَّنَ مِنْ ثَنْيِّهِ عَنْ نِيَّتِهِ ، بِقَوْلِهِ لَهُم إنَّهُ إنْ كان مُوسَى كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ. أمَّا إنْ كانَ صادِقًا في قَوْلِهِ أنَّهُ رَسُولُ اللهِ ، وَمَعَ ذَلِكَ قَتَلْتُموهُ أوْ لَمْ تَسْتَجيبوا إلى طَلَبِه ، فَسَيَقَعُ عَليْكُم عِقابَ اللهِ ، كَما وَقَعَ عَلَى الْمُكَذِّبينً مِنْ قَبلِكُم ، مِثلِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمودَ ، وَذَلِكَ كَما جاءَ في الآياتِ الْكَريمةِ 40: 23-33 كَما يلي:   

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴿٢٣إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴿٢٤ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ ﴿٢٥وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ ﴿٢٦ وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ﴿٢٧ وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّـهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ﴿٢٨ يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّـهِ إِن جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴿٢٩ وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ ﴿٣٠ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّـهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ ﴿٣١ وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ ﴿٣٢ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّـهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّـهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴿٣٣  (غَافِرُ ، 40: 23-33).

***  

إصْرَارُ فِرْعَوْنَ عَلَى تَكْذِيبِ مُوسَى ، وَالْمُنَافَسَةُ مَعَ السَّحَرَةِ

وفي رَدِّهٍ ، حاوَلَ فِرْعَوْنُ التَّأثِيرَ عَلَى مُوسَى ، فَذَكَّرَهُ بأنَّهُ قَد تَرَبَّى مُتَنَعِّمًا في قَصْرِهِ. ثُمَّ هدَّدَهُ بِالسَّجْنِ أنْ هُوَ اسْتَمَرَّ عَلَ عِبادَةِ إلَهٍ غَيْرِهِ. فَما كانَ مِنْ مُوسَى إلَّا أنْ اسْتَعْرَضَ الدَّلِيلَيْنِ الّْلَذَيْنِ آتاهُ اللهُ بِهِما أمامَهُم ، كَإثْباتٍ عَلَى أنَّهُ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِهِ. فَألْقى بِعَصَاهُ عَلَى الأرْضِ ، فَإذا بِها تَتَحَوَّلُ إلى ثُعْبانٍ مُتَحَرِّكٍ عَظِيمٍ. وأخْرَجَ يَدَهُ مِنْ جيْبِهِ ، فَإذا بِها تُصْبِحُ بَيْضاءَ مِنْ غيرِ سُوءٍ ِلنَّاظِرِينَ. لِكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يُقْنِعْ فِرْعَوْنَ ، الَّذِي أصَرَّ عَلَى تَكْذيبِهِ لِمُوسَى ، عَلَيْهُ السَّلامُ. فَقالَ إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلَّا سِحْرًا ، وأيَّدَهُ في ذَلِكَ مُسْتَشَارُوهُ ، الَّذِينَ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ عَقْدَ مُنافَسَةٍ بَيْنَ مُوسَى والسَّحَرَةِ الْمِصْرِيينَ ، بِهَدَفِ تَكْذِيبِ ادِّعائِهِ بِأنَّهُ رَسولٌ مِنْ عِندِ اللهِ ، تَبارَكَ وَتَعَالَى ، وَذَلِكَ كَما جاءَ في الآياتِ الْكَرِيمَةِ 26: 18-40 ، كَما يَلِي:

قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ﴿١٨ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴿١٩ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ﴿٢٠ فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿٢١وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿٢٢ قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴿٢٣ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ﴿٢٤ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ ﴿٢٥ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ﴿٢٦ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ﴿٢٧ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٢٨ قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَـٰهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ﴿٢٩ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ ﴿٣٠ قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴿٣١ فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ﴿٣٢ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ ﴿٣٣ قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ﴿٣٤ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴿٣٥ قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ﴿٣٦ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ ﴿٣٧ فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ﴿٣٨وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ ﴿٣٩ لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ ﴿٤٠ (الشُّعَرَاءُ ، 26: 18-40). 

***  

وَهَكَذا ، ألْقَى السَّحَرَةُ عَلَى الأرْضِ عِصِيَّهُم وَحِبالَهُم ، الَّتي ظَهَرَت لِلنَّاسِ بِأنَّها ثَعَابينُ مُتَحَرِّكَةٌ. وَألْقَى مُوسَى عَصاهُ ، فإذا بِها تَتَحَوَّلُ إلى ثُعْبانٍ كَبيرٍ الْتَهَمَ ثَعَابِينَهُمُ الزّائِفَةِ. فَلَمَّا رَأى السَّحَرَةُ ذَلِكَ ، أدْرَكُوا بِأنَّ مُوسَى كانَ رَسولَ اللهِ حَقًّا ، وَلَيْسَ ساحِرًا مِثْلَهُم. فخَرُّوا سُجَّدًا للهِ الْعَظِيمِ ، مُعْلِنِينَ إيمانِهِم بِهِ وَبِرَسولِهِ. لَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ كافِيَاً لِفِرْعَوْنَ حَتَّى يُؤمِنَ ، فَاتَّهَمَ السَّحَرَةَ بِالتَّآمُرِ مَعَ مُوسَى ، الَّذِي وَصَفَهُ بِأنّهُ كَبِيرُهُم الَّذِي عَلَّمَهُم السِّحْرَ ، وَأمَرَ بِتَعْذيبِهِم وَبِصَلْبِهِم عَلى جِذُوعِ الأشْجارِ. وَلَمْ يُثْنِهِم ذَلِكَ عَنْ عَزْمِهِم ، واسْتَمَرُّوا عَلَى إيمانِهِم ، وذلكَ كما بَيَّنَتْ لَنا الآياتُ الْكَرِيمَةُ 20: 49-76 و 7: 113-126 و 10: 79-89 و 26: 41: 51 ، كَما يَلِي:  

فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ ﴿٤١ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴿٤٢قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ أَلْقُوا مَا أَنتُم مُّلْقُونَ ﴿٤٣ فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ ﴿٤٤فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ﴿٤٥ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ﴿٤٦ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٤٧ رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ ﴿٤٨﴾ قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٤٩ قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ﴿٥٠ إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿٥١ (الشُّعَرَاءُ ، 26: 40-51). 

***

سَادِسًا ، رَفْضُ فِرْعَوْنَ لِلإيمَانَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ ، عَلَى الرَّغْمِ مِنَ الآيَاتِ التِّسْعِ الَّتي جَاءَ لَهُ بِها  

اسْتَمَرَّ فِرْعَوْنُ وَمَلأُهُ عَلَى اسْتِكْبارِهِم ، عَلى الرَّغْمِ مِنْ فَوزِ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، في الْمُنافَسَةَ مَعَ السَّحَرَةِ. وَكَرَّرَ فِرْعَوْنُ مُطَالَبَتَهُ لِلنَّاس بِأنْ يَعْبُدُوهُ ، كَإلَهِهِمُ الْوَحِيدِ (الْقَصّصُ ، 28: 38) ، عَلَى الرَّغْمِ أيْضَاً مِنْ رُؤيَتِهِ لِلْآيَتَيْنِ الْلَّتَيْنِ جَاءَ لَهُ مُوسَى بِهِما ، أيِّ تَغَيُّرِ عَصَاهُ وَلَوْنِ يَدِهِ (26: 32-33) ، فَلَمْ تَكونا كافِيَتَيْنِ لإقْناعِ فِرْعَوْنَ أنَّهُ رَسولُ اللهِ حَقًا ، وذَلِكَ كما قَرَّرتْ الآياتُ الْكَرِيمَةُ 10: 75-78 و 7: 129-129 و 43: 46-56 ، كَما يَلِي:  

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٤٦ فَلَمَّا جَاءَهُم بِآيَاتِنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ ﴿٤٧ وَمَا نُرِيهِم مِّنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿٤٨ وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ ﴿٤٩فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ ﴿٥٠ وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴿٥١ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ﴿٥٢ فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ﴿٥٣ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ﴿٥٤﴾‏ فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٥٥﴾‏ فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِّلْآخِرِينَ ﴿٥٦﴾‏ (الزُّخْرُفُ ، 43: 46-56). 

***

وَلِكَيِّ يُقْنِعَ فِرْعَوْنَ أنَّ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، كانَ رَسُولَهُ حَقًّا ، شَاءَ اللهُ ، الْعَلِيُّ الْقَدِيرُ ، أنْ يُؤَيِّدَهُ بِسَبْعِ مُعْجِزَاتٍ أُخْرَى ، هِيَ: سِنِينُ الْقَحْطِ ، وَنَقْصُ الثَّمَرَاتِ ، وَالْفَيَضَانُ ، وَالْجَرَادُ ، وَالْقُمَّلُ ، والضَّفَادِعُ ، والدَّمُ ، كَما عَدَّدَتْ لَنا الآياتُ الْكَرِيمَةُ 17: 101-102 و 7: 130-133 ، كَما يَلِي:

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَىٰ مَسْحُورًا ﴿١٠١ قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ﴿١٠٢  (الإسْرَاءُ ، 17: 101-102).

وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴿١٣٠ فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَـٰذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّـهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿١٣١ وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴿١٣٢ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ ﴿١٣٣ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿١٣٤ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَىٰ أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ ﴿١٣٥  (الأعْرَافُ ، 7: 130-135).

***

وَقَد أثَّرَتْ تِلْكَ الْمُعْجِزاتُ في فِرْعَوْنَ وَمَلأهِ ، فَتَوَسْلُوا إلى مُوسَى ، عَلَيْهُ السَّلامُ ، بِأنْ يُوقِفَ عَنْهُم الْعذابَ ؛ وَأنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ ، فَإنَّهُم سَيُؤمِنونَ بِهِ ، وَسَيَسْمَحُونَ لِبَني إسْرَائيلُ بِالْخُروجِ مِنْ مِصْرَ مَعَهُ. لَكِنَّهُم نَكَثُوا بِعَهْدِهِم ، بَعْدما أوْقَفَ اللهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، عَنْهُمُ الْعَذابَ ، وَذّلِكَ كَما ذَكَرَتْ الآياتُ الْكَرِيمَةُ 7: 134-135 ، كَما يَلِي:  

وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿١٣٤فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَىٰ أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ ﴿١٣٥  (الأعْرَافُ ، 7: 134-135).

*** 

سَابِعًا ، الْخُرُوجُ ، وَمُعْجِزَةُ فَلْقِ الْبَحْر ، وَمَوْتُ فِرْعَوْنَ غَرَقًا ، وَحِفْظُ جَسَدِهِ ، وَالْبُشْرَى لِلْمُسْتَضْعَفِينَ بِأنَّهُم سَيَرِثُونَ الأرْضَ

بَعْدَ أنْ أخْلَفَ فِرْعَوْنُ وَعْدَهُ بِالإيمانِ بِاللهِ وَرَسُولِهِ ، وَبِالسَّمَاحِ لِبَني إسْرَائيلَ بِالْخُروجِ مِنْ مِصْرَ ، أوْحَى اللهُ ، الْعَلِيُّ الْقَدِيرُ ، إلى مُوسَى ، عَلَيهِ السَّلامُ ، بِأنْ يَخْرُجَ بِهِم. فَتَبِعَهُم فِرعَوْنُ وجُنُودُهُ لِيَرُدُّوهُم. وَأصْبَحَ بَنُو إسْرَائيلَ في خَطَرٍ مُحْدِقٍ ، عِندما وَجَدُوا أنْفُسَهُم أمامَ الْبَحْرِ ، حَّتَّى "قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ" (الشُّعَرَاءُ ، 26: 61). فَأوْحَى اللهُ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، إلى رَسُولِهِ بِأنْ يَضْرِبَ بِعَصَاهُ الْبَحْرَ. وَلَمَّا فَعَلَ ، انْفَلَقَ الْبَحْرُ إلى جَبَلَيْنِ عَظِيمَيْنِ مِنَ الْماءِ. فَعَبَرَ الإسْرَائيليونَ بِأمانٍ إلى الشَّاطِئِ الآخَرِ ، وتَبِعَهُم في ذَلِكَ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ. لِكِنَّهُم غَرِقوا عِنْدَما انْطَبَقَ الْبَحْرُ عَلَيْهِم. وفي لَحْظَةِ الْغَرَقِ ، أعْلنَ فِرْعَوْنُ أنَّهُ قد آمَنَ بِاللهِ ، الذي آمَنَ بِهِ بَنُو إسْرَائيلَ. لَكِنَّ اللهَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، رَدَّ عَلَيْهِ بِأنَّ ذَلِكَ جاءَ مُتَأخِّرًا ، وأنَّهُ سَيُنْجي بَدَنَهُ ، لِيَكُونَ آيَةً لِلناس مِنْ بَعْدِهِ ، وَشاهِدًا عَلَى حُدُوثِ تِلْكَ الْمُعْجِزَةِ. [5]

وَهَكَذَا ، أخْبَرَنا اللهَ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ،  عَنْ قِصَّةِ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، مَعَ فِرْعَوْنَ ،  حَتَّى نَعْلَمَ أنَّهُ يُعاقِبُ الطُّغَاةَ ، وَيُمَكِّنُ الْمَظْلُومِينَ مِنْ عِبادِهِ مِنْ أنْ يَرِثُوا الأرْضَ مِنْ بَعْدِ مَظْلَمِهِم ، وَذَلِكَ ما أكَّدَتْهُ لَنا الآياتُ الْكَرِيمَةُ 20: 77-79 ، 10: 90-92 ، 26: 61-66 ، 7: 136-137 ، كَما يَلِي:  

وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ ﴿٧٧ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ ﴿٧٨وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ ﴿٧٩ (طَهَ ، 19: 77-79). 

وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿٩٠ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴿٩١ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ﴿٩٢  (يُونُسُ ، 10: 90-92). 

فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴿٦١ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴿٦٢ فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ﴿٦٣وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ ﴿٦٤ وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ ﴿٦٥ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ﴿٦٦ (الشُّعَرَاءُ ، 26: 61-66). 

فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ﴿١٣٦ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ﴿١٣٧  (الأعْرَافُ ، 7: 136-137). 

***  

ثَامِنًا ، إحْجامُ بَني إسْرَائيلَ عَنْ دِخُولِ أرْضِ فِلِسْطينَ الْمُقَدَّسَةِ مِنَ السَّهْلِ السَّاحِليِّ ، وَالتِّيهُ في سِينَاءَ أرْبَعِينَ سَنَةٍ

بِغَرَقِ فِرْعَوْنَ وَجُنودِهِ وَمَوْتِهِم ، أصْبَحَ بَنُو إسْرَائيلَ في أمانٍ. فَأمَرَهُم مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، بِدِخُولِ أرْضِ فِلِسْطينَ الْمُقَدَّسَةِ مِنَ السَّهْلِ السَّاحِليِّ الْجَنُوبِيِّ. لَكِنَّهُم رَفَضُوا ، لأنَّهُ كانَ بِها قَوْمٌ جَبَّارونَ يُدافِعُونَ عَنْها ، وَقَالُوا لَهُ أنَّهُم لَنْ يَدْخُلُوها ما داموا فيها. وّزادُوا عَلَى ذَلِكَ جُرْأةً ، بِقَوْلِهِم لَهُ بِأنْ يَذهَبْ هُوَ وَرَبُّهُ لِيُقَاتِلُوهُم وَحْدَهُم. عِنْدَها ، حَكَمَ اللهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، عَلَيْهِم بِالتِّيهِ في سِينَاءَ أرْبَعِينَ سَنَةٍ ، عِقابًا لَهُم على فُسُوقِهِم ، وَذَلِكَ كَما نَقْرَاُ في الآياتِ الْكَرِيمَةِ 5: 20-26 ، كَما يَلِي:

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ ﴿٢٠ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّـهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ ﴿٢١ قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ﴿٢٢ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّـهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّـهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿٢٣ قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴿٢٤ قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴿٢٥ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴿٢٦  (الْمَائِدَةُ ، 5: 20-26).   

***  

تَاسِعًا ، أنْعُمُ اللهِ عَلَى بَنِي إسْرَائيلَ في صَحْراءِ سيناءَ ، سُقْيَاهُم بِالْمَاءِ ، وَتَظْلِيلُهُم بِالْغَمَامِ ، وَإطْعامُهُم بِالْمَنِّ وَالسَّلْوَى ، وَقِصَّتَا تَعَدِّيهِم عَلَى حُرُمَةِ السَّبْتِ وَالْبَقَرَةِ الصَّفْرَاءِ

ثُمَّ ذَكَّرَ اللهُ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، بَني إسْرائيلَ ، بِأنْعُمِهِ عَلَيْهِم ، الَّتي قَابَلُوها بِالْمَعْصِيَةِ وَالْمَزِيدِ مِنَ الْمَطَالِبِ وَالْعُدْوَانِ عَلَى حُدُودِهِ. فَقَد فَضَّلَهُم عَلَى الأُمَمِ الأخْرَى ، بِإنْزَالِ التَّوْراةِ عَلَيْهِم ، مِنْ خِلالِ رَسُولِهِ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ. كَما أنْقَذَهُم مِنْ فِرْعَوْنَ ، الَّذِي كانَ يُذِلُّهُم وَيَسْتَعْبِدُهُم ، وأنْقذَهُم مِنْهُ مَرَّةً أُخْرَى بِانْفِلاقِ الْبَحْرِ وَمِرُورِهِم فيهِ بِسَلامٍ ، بَيْنَما أغْرَقَهُ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَأمَدَّهُم بِالْماءِ وَظَلَّلَهُم بِالْغُيُومِ في صَحْراءِ سِينَاءَ الشَّدِيدَةِ الْحَرَارَةِ ، وَرَزَقَهُم بِالْمَنِّ والسَّلْوَى طَعَاماً سائِغَاً مِنْ عِندِهِ. وَفَوقَ ذَلِكَ ، فَإنَّهُ ، جَلَّ وَعَلا ، قَد مَدَّ عَهْدَهُ مَعَ إبْراهِيمَ ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، لِيَشْمَلَهُم ، ما داموا يُحَافِظُونَ عَلَى شُرُوطِهِ. وَبدَلاً مِنْ أنْ يَشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ ، تَذَمَّرُوا عَلَى الطَّعَامِ الَّذِي رَزَقَهُم بِهِ ، وَطالَبوا بِتَزْوِيدِهِم بِالْخُضْرَواتِ الَّتي كانوا يَأكُلونَها في مِصْرَ ، وَاعتَدوا عَلَى حُدودِ اللهِ في السَّبْتِ. كُلُّ ذَلِكَ أخْبَرَتْنا بِهِ الآياتُ الْكَرِيمَةُ 2: 47-50 و 7: 160 ، و 2: 61  ، و 2: 63-66 ، كَما يَلِي:

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿٤٧ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ﴿٤٨  وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴿٤٩ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ﴿٥٠ (الْبَقَرَةُ ، 2 : 47-50). 

1. سُقْيَاهُم بِالْمَاءِ ، وَتَظْلِيلُهُم بِالْغَمَامِ ، وَإطْعامُهُم بِالْمَنِّ وَالسَّلْوَى

وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُون (الأعْرَافُ ، 7: 160). 

2. تَذَمُّرُهُم عَلَى الطَّعَامِ الَّذِي رَزَقَهُم اللهُ بِهِ

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّـهِ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّـهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴿٦١  (الْبَقَرَةُ ، 2 : 61). 

3. تَعَدِّيهِم عَلَى حُرُمَةِ السَّبْتِ

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿٦٣ ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۖ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّـهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ ﴿٦٤ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴿٦٥ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ﴿٦٦ (الْبَقَرَةُ ، 2 : 63-66).  

4. قِصَّةُ الْبَقَرَةِ الًّصَّفْرَاءِ

وَمَنَّ اللهُ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، عَلَى بَني إسْرَائيلَ ، بِنِعْمَةٍ أخْرَى ، أثْناءَ تِيهِهِم في سِيناءَ. فَقَد هَداهُم لِلتَّعَرُّفِ عَلَى الْقَاتِلِ ، في قَضِيَّةِ قَتْلٍ لَمْ يَسْتَطِيعوا حَلَّها. فَأوْحَى إلى رَسُولِهِ مُوسَى ، عَلَيهِ السَّلامُ ، بِأنْ يَأمُرَهُم بِذَبحِ بَقَرَةٍ ، وَبِدَعْوَةِ الْجَمِيعِ لِحِضورِ الْوَلِيمَةِ. ثُمَّ أمَرَهُم أنْ يَضْرِبوا جُثَّةَ الْقَتِيلِ بِبَعْضِ لَحمِها أوْ عَظْمِها. فَلَمَّا فَعَلُوا ، أعادَ اللهُ الْحياةَ لِلْمَيِّتِ ، الَّذِي تَكَلَّمَ ، وَأخْبَرَهُم عَنْ اسْمِ قاتِلِهِ. وَلَفَتَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ انْتِباهَنا إلى أنَّهُم لَمْ يُطيعوا الرَّسُولَ بِسُهُولَةٍ. فَعِندما أمَرَهُم بِأنْ يَذْبَحوا بَقَرَةٍ ، لَمْ يُطِيعوهُ فَوْرَاً بِذَبحِ أيَّةِ بَقَرَةٍ. وَبَدَلًا مِنْ ذَلِكَ ، أخَذُوا يَسْألُونَهُ عَنْ أيَّةِ بَقَرَةٍ هِيَ ، وَعَنْ لَوْنِها ، وَعُمُرِها ، وَهَلْ كانتْ تعْملُ في الأرضِ ، وَما إذا كانتْ بِكْرًا أمْ كَبيرةً في السِّنِّ. وأدَّى ذَلِكَ إلى تَصْعيبِ الأمْرِ عَلَى أنْفُسِهِم ، بَينَما كانَ سَهْلًا ، لُوْ أطاعوا الرَّسولَ ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، كَما ذَكَرَتْ لَنا الآياتُ الْكَرِيمَةُ 2: 67-74 ، كَما يَلِي:

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّـهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴿٦٧ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ ﴿٦٨ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ﴿٦٩ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاءَ اللَّـهُ لَمُهْتَدُونَ ﴿٧٠ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ﴿٧١ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّـهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴿٧٢فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّـهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٧٣ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّـهِ وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿٧٤  (الْبَقَرَةُ ، 2 : 67-74). 

*** 

عَاشِرًا ، ألْوَاحُ مُوسَى ، وَفِتْنَةُ قَوْمِهِ بِعِبادَةِ الْعِجْلِ الذَّهَبِيِّ

أثْناءَ تِيهِهِم في سِيناءَ ، رَأى بَنو إسْرَائيلَ أُناسًا يَعْبُدونَ أصْنامًا لَهُم ، فَسَأَلُوا مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، أنْ يَصْنَعَ لَهُم إلَهَاً صَنَمًا ، لِيَعبُدوهُ مِثْلَهُم. فَصُدِمَ مُوسَى مِنْ طَلَبِهِم ، خاصَّةً لأنَّهُم رَأوْا كُلَّ تِلْكَ الْمُعْجِزاتِ ، الَّتِي ساقَها اللهُ لإنْقاذِهِم! فَاسْتَنْكَرَ مِنْهُم ذَلِكَ ، وَذَكَّرَهُم بِأنْعُمِ اللهِ عَلَيْهِم ، الَّتي تَسْتَوْجِبُ شُكْرَهُ وَعِبادَتَهُ وَحْدَهُ ، جَلَّ وَعَلا. وَبِالْفِعْلِ ، فَإنَّهُم كانُوا قَوْمَاً يَجْهَلُونَ ، كَما وَصَفَهُم مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، في الآياتِ الْكَرِيمَةِ 7: 138-141. 

وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴿١٣٨ إِنَّ هَـٰؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿١٣٩ قَالَ أَغَيْرَ اللَّـهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـٰهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿١٤٠ وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴿١٤١ (الأعْرَافُ ، 7: 138-141). 

***

1. دَعْوَةُ مُوسَى لِلِقاءِ رَبِّهِ

وَدَعا اللهُ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، رَسُولَهُ مُوسَى ، لِلِقَائِهِ ، لِمُدَّةِ أرْبَعِينَ لَيلَةٍ ، يُعَلِّمُهُ فيها وَيُنَزِّلُ عَلَيهِ رِسالَتَهُ. وَقَبْلَ ذِهابِهِ لِلِقاءِ رَبِّهِ ، عَيَّنَ مُوسَى أخاهُ ، هارونَ ، عليهِ السَّلامُ ، قائدَاً يَخْلُفُهُ عَلَى بَنِي إسْرائيلَ ، أثْناءَ غِيابِهِ عَنْهُم ، وَأوْصاهُ بِألَّا يَتَّبِعَ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ مِنْهُم. وَلَمَّا وَصَلَ مُوسَى إلى الْبُقْعَةِ الْمُقَدَّسَةِ ، كَلَّمَهُ رَبُّهُ ، فَشَجَّعَهُ ذَلِكَ عَلَى أنْ يَطْلُبَ مِنْهُ أنْ يَراهُ. فَأخْبَرَهُ اللهُ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، أنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَراهُ. وَقالَ لَهُ أنَّهُ سَيَتَجَلَّى لِلْجَبَلِ ، فَإنْ اسْتَقَرَّ في مَكانِهِ ، فَسَيَكُونُ مِنَ الْمُمْكِنِ لِمُوسَى أنْ يَراهُ. "فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ" ، وذَلِكَ كَما جاءَ في الآياتِ الْكَرِيمَةِ 7: 142-143. 

وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ﴿١٤٢ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٤٣ (الأعْرَافُ ، 7: 142-143). 

***

2. تَسَلُّمُ الألْواحِ مِنْ رَبِّهِ ، وَفِتْنَةُ قَوْمِهِ في غيابِهِ

 في مَديحِهِ لِرَسُولِهِ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، أخْبَرَهُ اللهُ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، أنَّهُ اخْتَارَهُ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ ، لِيُكَلِّمَهُ وَيُنَزِّلَ رِسالَتَهُ عَلَيْهِ ، مَكْتُوبَةً عَلَى الألْواحِ ، بِما تَتَضَمَّنُهُ مِنْ مَوْعِظَةٍ وَهِدَايَةٍ وَتَفْصِيلٍ لِّكُلِّ شَيْءٍ. وَلَمَّا عادَ مُوسَى إلَى قَوْمِهِ ، وَجَدَهُم يَعْبُدُونَ الْعِجْلَ الذَّهَبِيَّ الَّذِي صَنَعَهُ السَّامِرِيُّ لَهُم ، مِنْ حُلِيِّهِم ، مِمَّا أذْهَلَهُ ، خاصَّةً أنَّهُ لَمْ يَغِبْ عَنْهُم سِوَى أرْبَعِينَ لَيْلَةً ، كَما ذَكَرَتْ الآياتُ الْكَرِيمَةُ 7: 144-149.

قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ ﴿١٤٤وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ ﴿١٤٥سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ﴿١٤٦وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿١٤٧ وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ ﴿١٤٨ وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿١٤٩ (الأعْرَافُ  ، 7: 144-149).

***  

3. تَعْنِيفُهُ لِبَني إسْرائيلَ ، وَأمْرُهُ لَهُم بِالتَّوْبَةِ وَبِقَتْلِ أنْفُسِهِم

عَنَّفَ مُوسَى قَوْمَهُ عَلَى عِبادَتِهِم لِلْعِجْلِ ، وَأمَرَهُم بِالتَّوْبَةِ إلى اللهِ ، بَارِئِهِم ، وأنْ يَقْتُلَ بَعْضُهُم بَعْضًا ، حَتَّى يَقْبَلَ اللهُ تَوْبَتَهُم. وَلَمَّا فَعَلُوا ، وأثْخَنوا في الْقَتْلِ ، تَابَ اللهُ عَلَى حَيِّهِم وَمَيِّتِهِم. لَكِنَّهُم عادُوا لِظُلْمِهِم لأنْفُسِهِم ، عِنْدَما قالُوا لِموسَى بِأنَّهُم لَنْ يؤمِنوا حَتَّى يَرَوْا اللهَ جَهْرةً. فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُم يَنظُرُونَ ، ثُمَّ بَعَثْهُم اللهُ مِّن بَعْدِ مَوْتِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ، وَذَلِكَ كَما أخْبَرَتْنا بِهِ الآياتُ الْكَرِيمَةُ 2: 51-57 ، كما يَلِي:

وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ ﴿٥١ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿٥٢ وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿٥٣ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴿٥٤وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّـهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ﴿٥٥ ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿٥٦ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿٥٧  (الْبَقَرَةُ ، 2 : 51-57).

*** 

4. إلْقَاؤهُ لِلْألْوَاحِ ، وَلَوْمُهُ لأخِيهِ ، وَاخْتِيَارُهُ لِسَبْعِينَ رَجُلًا لِطَلِبِ الْمَغفِرَةِ مِنْ رَبِّهِ

غَضِبَ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، عَلَى قَوْمِهِ لِما فَعَلُوهُ في غِيابِهِ. فَألْقَى بالألْواحِ عَلَى الأرْضِ ، وأخَذَ بِلِحْيَةِ أخِيهِ ، يَلومُهُ عَلَى ما حَدَثً. فَقالَ لَهُ هارونُ أنَّهم كادوا أنْ يَقتُلُوهُ ، فَطَلَب موسَى الْمَغفِرَةَ مِنَ اللهِ لَهُ ولأخِيهِ. ثُمَّ أخَذَ الألواحَ عَنْ الأرْضِ ، لِيُعَلِّمَ ما بِها مِنْ هِدايَةٍ وَرَحْمَةٍ لِقَوْمِهِ. وَاخْتارَ مُوسى سَبْعينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِهِ ، مِنَ الذينَ لَمْ يَعْبُدوا الْعِجْلَ ، لِلِقاءِ رَبِّهِ وَطَلَبِ الْمَغفِرَةِ والرَّحْمَةِ مِنْهُ ، عَلَى ما فَعَلهُ قَوْمُهُم ، مِنْ اتِّخَاذِهِمُ الْعِجْلَ في غِيَابِهِ. فَأجابَهُ رَبُّهُ بِأنَّهُ سَيَكْتُبُ رَحْمَتَهُ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ، وَذّلِكَ كَما جاءَ في الآياتِ الْكَرِيمَةِ  7: 150-156. 

وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿١٥٠ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴿١٥١ إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ﴿١٥٢ وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِن بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿١٥٣ وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴿١٥٤ وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ ﴿١٥٥ وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴿١٥٦  (الأعْرَافُ  ، 7: 150-156). 

***

5. حَرْقُهُ لِلْعِجْلِ الذَّهَبِيِّ وَنَسْفُهُ في الْماءِ

سَألَ موسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، قَوْمَهُ عَنْ سَبَبِ مُوافَقَتِهِم عَلَى صُنعِ اِلْعِجْلِ في غِيابِهِ. فَقَالوا بِأنَّهُم قد أرادوا التَّخَلُّصَ مِنْ ذَهَبِ الْمِصْرِيينَ ، الَّذِي أحْضَروهُ مَعَهُم. وَسألَ السَّامِرِيَّ عَنْ سَبَبِ صُنْعِهِ لِلْعِجْلِ ، بِقَصْدِ عِبادَتِهِ ، فَاعْتَرَفَ بِذَنبِهِ ، قَائلًا بِأنَّ نَفسَهُ قد سَوَّلَتْ لَهُ ذَلِكَ الصَّنِيعِ. فَحَكَمَ عَلَيْهَ ألَّا يَخْتَلِطَ بِهِ أحدٌ في الْحَياةِ الدُّنيا ، وأخْبَرَهُ بِأنَّ لَهُ حِسابًا لَنْ يُخْلَفَهُ في الآخِرَةِ. كَما سَألَ أخاهُ عَنْ عَدَمِ تَصَدِّيهِ لِلَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ إلَهَاً ، فَأجابَهُ هارونُ ، عَلَيهِ السَّلامُ ، بأنَّهُ خَشِيَ أنْ يَتَفَرَّقَ بَنُو إسْرَائيلَ ، إنْ فَعَلَ ذَلِكَ. ثُمَّ اتَّجَهَ إلى الْعِجْلِ الذَّهَبِيِّ ، فَأحْرَقَهُ في النّارِ ، ثُمَّ رَمَى أجْزَاءَهُ الْمَحْرُوقَةِ في الْبَحْرِ ، وقَالَ لِقَوْمِهِ أنَّ إلَهَهُمُ هُوَ اللهُ ، الَّذِي لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ، وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ، وَذَلِكَ كَما بَيَّنَتْ لَنا الآياتُ الْكَريمَةُ 20: 83-98 ، كَما يَلِي:

وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَىٰ ﴿٨٣ قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَىٰ أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ ﴿٨٤﴾ قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ﴿٨٥ فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي ﴿٨٦ قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ﴿٨٧فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَـٰذَا إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ ﴿٨٨ أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ﴿٨٩ وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَـٰنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي ﴿٩٠ قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ ﴿٩١ قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ﴿٩٢ أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ﴿٩٣ قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ﴿٩٤ قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ ﴿٩٥ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ﴿٩٦ قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا ﴿٩٧ إِنَّمَا إِلَـٰهُكُمُ اللَّـهُ الَّذِي لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴿٩٨ (طَهَ ، 20: 83-98).  

***  

حَادِي عَشَرَ ، دَرْسٌ سَرِيعٌ لِمُوسَى في التَّوَاضُعِ ، وَالصَّبْرِ ، وَالْحِكْمَةِ ، عَلَى يَدِ الْخَضِرِ ، عَلَيْهِ السَّلامُ

شَاءَ اللهُ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، أنْ يُعَلِّمَ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، دَرْسًا سَرِيعًا في التَّوَاضُعِ ، وَالصَّبْرِ ، وَالْحِكْمَةِ. فَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أنَّهُ كانَ رَسُولَ اللهِ ، إلَّا إنَّهُ كانَ هُناكَ عَلَى الأرْضِ مِنْ عِبادِ اللهِ مَنْ هُم أكْثَرَ مِنْهُ عِلْمًا. وَكانَ الْخَضِرُ ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، أحَدُ هَؤلاءِ الْعِبَادِ. وَقِصَّتُهُ مَعَ مُوسَى مَذْكُورَةٌ في الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، لَكِنْ دونَ الإشارَةِ إلى اسْمِهِ ، ولا إلى سَبَبِ حُدُوثِ الْقِصَّةِ. وقَد عَرَفْنا كِلَيْهِما مِنَ الْحَدِيثِ الشَّريفِ ، كَما يَلِي: 

عَن ابْنُ عَبَّاسٍ ، رضي الله عنهما ، أنَّ أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ ، رَضِيَ اللهُ عنهُ ، قال: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ، صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، يقولُ: "بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، جَاءَهُ رَجُلٌ ، فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا. فَأَوْحَى اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، إِلَى مُوسَى: بَلَى ، عَبْدُنَا خَضِرٌ. فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ. فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً ، وَقِيلَ لَهُ إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ ، فَارْجِعْ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ." [6]

وَهَكَذَا ، الْتَقَى مُوسَى بِالْخَضِرِ ، الَّذِي أخْبَرَهُ مُنْذُ الْبِدَايَةِ أنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ مُصاحَبَتِهِ لِمُدَّةٍ طَوِيلَةِ ، لِيَتَعَلَّمَ مِنْهُ ، وَذَلِكَ لأنَّهُ لَنْ يَسْتَطِيعَ أنْ يَصْبِرَ عَلَى أفْعَالِهِ. وَمَعَ ذَلِكَ ، فَإنَّهُ سَمَحَ لَهُ ُبِمُصاحَبَتِهِ ، بِشَرْطِ أنْ يَتَحَلَّى بِالصَّبْرِ ، وّذَلِكَ بِألَّا يُعَلِّقَ عَلَى ، أوْ يَسْألَ عَنْ أفْعَالِ الْخَضِرِ حَتَّى يُفَسِّرَها لَهُ. وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ اتِّفَاقِهِما عَلى ذَلِكَ ، فَإنَّ مُوسَى لَمْ يَسْتَطِعْ الصَّبْرَ ، وَسَأَلَهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ عَنْ تَفْسِيرِ أفُعَالِهِ. فَكانَ ذَلِكَ خَرْقًَا لِلِاتِّفَاقِ ، وَسَبَبًا لإنْهائِهِ ، وَبِالتَّالٍي لِتَفَرُّقِهُما.

وَتَلَخَّصَت الأفْعَالُ الثَّلاثَةُ في خَرْقِ السَّفِينَةِ ، وَهِيَ عَلَى الشَّاطِئِ ، قَبْلَ أنْ تُبْحِرَ ، وَقَتْلِ الْغُلامِ ، بِدُونِ سَبَبٍ وَاضِحٍ ، وَإقَامَةِ جِدارٍ آيِلٍ لِلسِّقُوطِ في قَرْيَةٍ أبَى أهلُهَا أنْ يُضَيِّفُوهُمَا. عِندَها ، أخْبَرَ الْخَضِرُ مُوسَى أنَّهُ لا يُمْكِنُهُ مُصاحَبَتَهُ بَعْد ذَلِكَ الْحينِ. ثُمَّ فَسَّرَ لَهُ أسْبَابَ قِيَامِهِ بِتِلْكَ الأفْعالِ.

وَالْمَغزَى الرَّئِيسِ لِلْقِصَّةِ أنَّنَا يُمْكِنُ أنْ نَحْزَنَ أو نَغْضَبَ لِحُدوثِ أشْيَاءٍ لَنا أوْ حَوْلِنا ، لأنَّنَا لا نَعْلَمُ مَا إذَا كَانَ فيها أيُّ خَيْرٍ لَنا. وَالْقِصَّةُ كُلُّها ، بِما في ذَلِكَ كَيفِيَّةُ الْتِقَاءِ الْخَضِرِ وَمُوسَى ، والأفْعَالُ الثَّلاثَةُ ، وَتَفْسِيرَاتُها ، مَرْوِيَّةٌ في الآياتِ الكريمةِ 18: 60-82 ، كَما يَلِي:

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا ﴿٦٠فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا ﴿٦١ فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَـٰذَا نَصَبًا ﴿٦٢ قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا ﴿٦٣ قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصًا ﴿٦٤ فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا ﴿٦٥ قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ﴿٦٦ قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴿٦٧ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ﴿٦٨ قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّـهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ﴿٦٩ قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ﴿٧٠ (الْكَهْفُ ، 18: 60-70).  

فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ﴿٧١ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴿٧٢ قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ﴿٧٣ فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا ﴿٧٤ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴿٧٥ قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا ﴿٧٦ فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ﴿٧٧ قَالَ هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا ﴿٧٨ (الْكَهْفُ ، 18: 71-78). 

أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ﴿٧٩ وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ﴿٨٠ فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ﴿٨١ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا ﴿٨٢ (الْكَهْفُ ، 18: 79-82). 

***

الْخُلاصَةُ

مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، هُوَ ثَالِثُ أُولِي الْعَزْمِ الْخَمْسَةِ مِنَ الرُّسُلِ ، بَعْدَ نُوحٍ وَإبْرَاهِيم ، وَقَبْلَ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ ، عَلَيْهِمُ سَلامُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ أجْمَعِينَ. وَتُعَلِّمُنا قِصَّتُهُ ، الَّتِي قَادَ فيها بَني إسْرَائيلَ ، في الْخُرُوجِ مِنْ مِصْرَ ، أنَّ اللهَ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، يَنْصُرُ الْمُضْطَهَدِينَ ، وَيُنْزِلُ عِقَابَهُ بِالطُّغاةِ الظَّالِمِينَ. وَفِي نَفْسِ الْوَقْتِ ، فَإنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ تُظْهِرُ مَدى جِحُودِ بَني إسْرائيلَ وَمَعْصِيّتِهِم لِرَبِّهٍم ، لِدَرَجِة عِبادَتِهِم لِلْعِجْلِ الذَّهَبِيِّ بَدَلًا مِنْهُ ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أنْعُمِهِ الَّتِي لا تُحْصَى ، الَّتِي تَفَضَّلَ بِها عَلَيْهِم.

وَكانَتْ قِصَّةُ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، مَلِيئَةٌ بِالأحْداثِ الَّتِي أثَّرَتْ في مَصِيرِ بَنِي إسْرائيلَ ، وَلَكِنَّها كَانَتْ مَلِيئَةً بِالْعِبَرِ لِلْبَشَرِيَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ. فَقَد تَّدَخَلَ اللهُ ، تَبارَكَ وَتَعَالَى في كُلِّ تِلْكَ الأحْداثِ ، إمَّا مُباشَرَةُ ، مِنْ خِلالِ الْمُعْجزاتِ ، أو بِشَكْلٍ غَيْرِ مُباشِرٍ ، عَنْ طَرِيقِ أشْخاصٍ سَاعَدُوهُ فِي كُلِّ حَدَثٍ مَرَّ بِهِ. وَتَجَلَّى ذَلِكَ ابْتِدَاءً فِي إنْقَاذِ حَيَاتِهِ عِندَ مَوْلِدِهِ ، مِنْ خِلالِ ما فَعَلَتْهُ أمُّهُ وأخْتُهُ ، ثُمَّ تَبَنِّيهِ وَتَرْبِيَتِهِ في قَصْرِ فِرْعَوْنَ ، مِنْ خِلالِ نُفُوذِ امْرَأةِ فِرعَوْنَ. وَكانَ هُرُوبُهُ مِنْ مِصْرَ ، بِناءً عَلَى تَحْذيرِ الرَّجُلِ الَّذِي جاءَهُ مِنْ أقْصى الْمَدِينَةِ يَسْعَى. وَكَان اسْتِقْرَارُهُ في مَدْيَنَ بِتَرْحِيبٍ مِنَ الشَّيخِ وَابْنَتَيْهِ ، الَّذِينَ أصْبَحُوا أهْلاً لَهُ.   

وَكَانَ أكْبْرُ شَرَفٍ تَلَقَّاهُ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، في حَيَاتِهِ ، كَلامَهُ مَعَ اللهِ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وَتَلَقِيهِ لِمُهِمَّتِهِ الأساسِيّةِ ، أيْ تَحْرِيرِ بَنِي إسْرَائيلَ مِنَ الْعِبُوديَّةِ وَإخْرَاجِهِم مِنْ مِصْرَ. وَتَطَلَّبَ ذَلِكَ مُوَاجِهَتَهُ مَعَ فِرْعَوْنَ ، وَهُوَ الأمْرُ الَّذي سَاعَدَهُ فيهِ أخُوهُ هارونَ ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، لأنَّهُ كانَ أفْصَحُ مِنْهُ لِسَانًا ، وَأكْثَرُ طَلاقَةً في الْحَدِيثِ. وَعِنْدما رَفَضَ فِرْعَوْنُ خُرُوجَ الإسْرائيلِيينَ ، أنْزَلَ اللهُ بِهِ وَبِقَوْمِهِ الْعَذابَ مِنْ خِلالِ آياتِهِ السَّبْعِ ، الْمَذْكُورَةِ في الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.

وَحَدَثَ التَّدَخُّلُ الإلَهِي أيْضًا ، في أمْرِ اللهِ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، لِمُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، بِالْخُروجِ بِبَنِي إسْرَائيلَ مِنْ مِصْرَ ، وفي شَقِّ الْبَحْرِ لَهُم ، لِلْعُبورِ فيهِ بِسَلامٍ ، وَإغْرَاقِ فِرْعَونَ وَجِنُودِهِ فيهِ ، وَالْحِفَاظِ عَلَى جَسَدِهِ ، لِيَكُونَ آيَةً لِلنَّاسِ ، بَعْدَ ذَلِكَ. 

أخِيرًا ، فَإنَّ اللهَ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، قَد عَلَّمَ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، وَقَوْمَهُ مِنْ خِلالِ تَنزِيلِ الألْوَاحِ عَلَيْهِ ، وَالَّتِي تَضَمَّنَتْ هِدايَةً وَرَحْمَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيءٍ. كَمَا رَتَّبَ لَهُ أنْ يَتَعَلَّمَ مِنَ الْخَضِرِ دَرْسًا سَرِيعًا في التَّوَاضُعِ ، وَالصَّبْرِ ، وَالْحِكْمَةِ ، وَمِنْ خِلالِهِ أيْضًا دَرْسًا لِلْبَشَرِيَّةُ ، في كُلِّ مَكانٍ وَزَمَانٍ.

 

 

  

مُلاحَظَاتٌ تَوْثِيقِيَّةٌ وَأسْتِطْرَادِيَّةٌ



[1] أنظرْ المُلاحظةَ رقم 10 ، التي تَمَّ ذِكْرُهُا في الفصلِ الثَّانِي مِنْ هذا الْكِتابِ (المُلاحظةَ رقم 29 ، مِنَ نُسخَةِ الكتاب كَكُلٍّ) ، في مَعْرِضِ ذِكْرِ رسولِ اللهِ ، نُوحٍ ، عليهِ السلامُ والتي تتضَمَّنُ الآياتِ الكريمةِ التي تُشِيرُ إلى أُولِي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ.

[2]  يُعَلِّمُنا الْقُرآنُ الْكَريمُ عَنْ رِسالاتِ اللهِ ، سُبْحانَهُ وَتَعَالَى ، لِلْبَشَرِيَّةِ ، مِنْ خلالِ ذِكْرِهِ لِحَياةِ وأفْعَالِ وَمُهِمَّاتِ رُسُلِهِ ، خاصَّةً أولي الْعَزْمِ مِنْهُم. وَهَكَذا ، فقد ذُكِرَ نُوحٌ ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، بالاسْمِ ، 43 مَرَّةً في الْقُرْآنِ الْكًريمِ. كَما ذُكِرَ إبْرَاهِيمُ 69 مَرَّةً ، وَمُوسَى 136 مَرَّةً ، وَعِيسَى 25 مَرَّةً ، وَمُحَمَّدٌ أرْبَعَ مَرَّاتٍ بِاسٍمِ مُحَمَّدٍ ، وَمَرَّةً وَاحِدَةً بِاسٍمِ أحْمَدٍ ، صَلّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبارَكَ عَلَيْهِمُ أجْمَعِينَ.

وَالْجَديرُ بِالذِّكْرِ أنَّ هَذِهِ الإحْصائياتِ الْعَدَدِيَّةِ وغَيْرِها يُمْكِنُ الْحُصولُ عليها مِنْ خِلالِ وَسِيلَةِ بَحْثِ الْكَلِماتِ الْمَوْجودَةِ في الْمَواقِعِ التي تَحْمِلُ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ ، بِالْلُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ ، مِثْلِ مَوْقِعِ تَنْزِيل (www.tanzil.net).

وَقَبَلَ عَصْرِ الشَّبَكَةِ الْعالَمِيَّةِ ، قامُ بَعضُ الْعُلَماءِ الْمُسْلِمِينَ بِتِعْدادِ كَلِماتِ الْقُرْآنِ الْكَريمِ ، بِما في ذَلِكَ أسْماءِ رُسُلِ اللهِ تَعالَى وأنْبِيائِهِ ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وَمِنْ أمْثِلَةِ ذَلِكَ: الْفَهْرَسُ الَّذِي ألَّفَهُ مُحَمَّد فُؤاد عَبْدُ الْباقِي ، وَهُوَ بِعِنْوانِ: "الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِألْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ." وَهُوَ مِنْ مَطْبُوعاتِ دارِ الْفِكْرِ ، بِالْقاهِرَةِ ، في عام 1406 لِلْهِجْرَةِ ، 1986 لٍلْمِيلادِ.

[3] لا يُوجَدُ اتِّفاقٌ بَيْنَ الْمُؤرِّخِينَ عَلَى مَنْ هُوَ الْفِرعَوْنُ الَّذِي غِرِقَ في الْبَحْرِ ، وَهُوَ يُطارِدُ بَني إسْرائيلَ ، في خُرُوجِهِم مِنْ مِصْرَ. وَمِنْ أحَدِ أسْبابِ ذّلِكَ أنَّ السِّجِلَّاتِ الْمِصْرِيَّةَ الْقَدِيمَةَ لَمْ تَذْكُرْ شَيْئًا عَنْ تِلْكَ الْحادِثَةِ. كَما أنَّ كُلَّاً مِنَ الْقُرْآنِ الْكَريمِ والْكِتابِ الْمُقَدَّسِ لِبَني إسْرائيلَ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ ذَلِكَ الْفِرْعَوْنَ. وأدَّى ذَلِكَ إلى فَتْحِ الْمَجالِ لِلْعَديدِ مِنَ الآراءِ حَوْلَ زَمَنِ الْخُرُوجِ.

فَمَثَلاً ، ذَكَرَتْ الْمَوْسُوعَةُ الْبِرِيطانِيَّةُ أنَّ الْفِرْعَوْنَ الَّذِي رَفَضَ السَّماحَ لِبَني إسْرَائيلَ بِالْخُروجِ مِنْ مِصْرَ ، مَعَ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، كانَ رَمَسِيسُ الثَّاني ، الذي عاشَ في الْفَتْرَةِ الْواقِعَةِ ما بَيْنَ عامَيِّ 1299 و 1212 قَبْلَ الْمِيلادِ. أمَّا حادِثَةُ الْخُروجِ ، فَقَد وَقَعَتْ أثْناءَ حُكْمِ ابْنِهِ مِيرْنِبْتاح ، أيْ في الْفَتْرَةِ الْواقِعَةِ ما بَيْنَ عامَيِّ 1212 و 1202 قَبْلَ الْمِيلادِ.

وَقَد أيَّدَ هَذا الرَّأيَ جُوشْوَا مارْك ، الَّذي رَفَضَ الرَّأيَ الْقائِلَ بِأنَّ رَمَسِيسَ الثَّاني هُوَ الْفِرعَوْنُ الْغارِقُ. كَما أيَّدَهُ مُورِيس بُوكاي ، الذي قالَ بِأنَّ رَمَسِيسَ الثَّاني هُوَ الَّذِي كانَ يُسِيءُ مُعامَلَةَ بِني إسْرائيلَ ، لَكِنَّهُ ماتَ خِلالَ وِجُودِ مُوسَى ، عَلَيةِ السَّلامُ ، في مَدْيَنَ. وذَلِكَ يَعْني أنَّ ابْنَهُ مِيرْنِبْتاح هُوَ الْفِرْعَوْنُ الَّذِي تَعَقَّبَهُم ، وَغَرِقَ مَعَ جُنودِهِ في خَلِيجِ السُّوَيْسِ ، أثْناءَ مُطارَدِتِهِ لَهُم.

وَكانَتْ جُثَّةُ مِيرْنِبْتاح الْمُحَنَّطَةُ قد اكْتُشِفَتْ في وَادِي الْمُلوكِ ، بِطِيبَةَ ، في عامِ 1898 ، مَعَ مَجمُوعَةٍ مِنَ الْجَثَامينِ الْمُحَنَّطَةِ لِمُلوكٍ مِصْرِيينَ آخَرِينَ. وَفي عامِ 1975 ، شارَكَ مُورِيس بُوكاي ، مَعَ مَجْمُوعَةٍ مِنَ الأطِّبَاءِ الْفَرَنْسِيِّينَ في فَحْصِ جُثَّةِ مِيرْنِبْتاح ، مِمَّا أدَّى إلى اكْتِشافِهِم أنَّهُ ماتَ غَرَقًا. كما أدَّى ذَلِكَ الاكْتِشافُ ، بِالإضافَةِ إلى الْحَقَائِقِ الْعِلْمِيَّةِ الأخْرَى ، التي اطَّلَعَ عَلَيْها بُوكاي في الْقُرْآنِ الكَرِيمِ ، إلى إسْلامِهِ ، كما عَبَّرَ عَنْهُ في كُتُبِهِ وَمَقالاتِهِ وَمُقَابَلاتِهِ.

وَيُمْكِنُ الاطِّلاعُ على رَأيِّ الْمَوْسُوعَةُ الْبِرِيطانِيَّةُ ، الْقَائِلِ بِأنَّ مِيرْنِبْتاح (212 - 1202 قَبْلَ الْمِيلادِ) هُوَ فِرْعَوْنُ الْخُرُوج ، على الرَّابِطِ التَّاليِ:

https://www.britannica.com/topic/biblical-literature/Non-European-versions#ref597585

كِتابُ موريس بوكاي ، عَنْ فَحصِ الْجَثَامِينِ الْمُحَنَّطَةِ لِمُلُوكِ مِصْرَ (الْفَرَاعِنَةِ) ، عُنْوَانُهُ (بِالْلُّغَةِ الانكِليزيَّةِ): "جَثَامِينُ الْفَرَاعِنَةُ: فُحُوصٌ طِبِّيَّةٌ مُعاصِرَةٌ" ، وَيُمْكِنُ الاطِّلاعُ عليهِ ، على الرَّابِطِ التَّاليِ:   

https://www.amazon.com/Mummies-Pharaohs-Modern-Medical-Investigations/dp/031205131X

الْكِتابُ الثَّاني لِمُوريس بوكاي عُنْوَانُهُ (بِالْلُّغَةِ الانكِليزيَّةِ): "الْكِتابُ الْمُقَدَّسُ ، وَالْقُرْآنُ ، وَالْعِلْمُ." قامَ بِتَرْجَمَتِهِ مِنَ الْفِرَنْسِيَّةِ إلى الانكِليزيَّةِ ، بالاشْتِراكِ مَعً ألْسْتِير د بانيل ، وَيُمْكِنُ الاطِّلاعُ عليهِ ، على الرَّابِطِ التَّاليِ:   

 “The Bible, The Quran and Science,” by Alastair D. Pannell and Maurice Bucaille.

https://archive.org/stream/TheBibletheQuranScienceByDr.mauriceBucaille/TheBibletheQuranScienceByDr.mauriceBucaille_djvu.txt

وَيُمْكِنُ الاطِّلاعُ على الرَّأيِّ الْقائِلِ بِدُخُولِ الإسْرَائيلِيينَ إلى أرْضِ كَنْعانَ في الْفَتْرَةِ الْواقِعَةِ ما بَيْنَ عامَيِّ 1250 و 1150 قَبْلَ الْمِيلادِ ، على الرَّابِطِ التَّاليِ:   

https://www.ancient.eu/canaan/

خِلالَ الْقَرْنِ الثَّالِثِ عَشَرَ قَبْلَ الْمِيلادِ ، الذي حَدَثً الْخُروجُ في آخِرِهِ ، حَكَمَ مِصْرَ سِتَّةٌ مِنَ الْمُلوكِ الْفرَاعِنَةِ ، هُم: رَمَسِيسُ الأوَّلُ (1295-1294) ، سِتي الأوَّلُ (1294-1279) ، رَمَسِيسُ الثَّانِي (1279-1212) ، مِيرْنِبْتاح (1212-1202) ، أمين مِسا (1202-1200) ، سِتي الثَّانِي (1200-1194).

أنْظُرْ أيْضًا الْمَقَالاتِ الْمَوْسُوعِيَّةِ التي كَتَبَها جوشْوَا مارك ، عَنْ تارِيخِ مِصْرَ الْقَدِيمِ ، والَّتي رَفَضَ فيها الرَّأيَ الْقَائِلَ بِأنَّ رَمَسِيسَ الثَّانِي هُوَ الْفِرْعَوْنُ الْغَارِقُ ، وَذَلِكَ على الرَّابِطِ التَّاليِ:    

Joshua J. Mark is a co-founder, editor, and a director of Ancient History Encyclopedia.

https://www.ancient.eu/timeline/pharaoh/

وَانْظُرْ الْجَدْوَلَ الزَّمَنِيَّ التَّقْرِيبِيَّ ، الْمُلْحَقَ بالْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ هَذا الْكِتابِ ، وَالَّذِي يَعْرِضُ الأزْمِنَةَ التَّقْرِيبِيَّةَ التي عاشَ فيها الرُّسُلُ والأنْبِيَاءُ ، وَالْمُلوكُ الْمُعاصِرونَ لَهُم ، مُنذُ خُروجِ بَني إسْرائيلَ مِنْ مِصْرَ.

[4]  لَمْ يَذْكُرْ الْقُرْآنُ الْكَريمُ أيَّ الأجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، في خِدْمَةِ حَمِيِّهِ. لَكِنَّ رَسولَ اللهِ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قالَ بِأنَّهُ قد أكْمَلَ الأجَلَيْنِ وأتَمَّهُما ، أي إلى عَشْرِ سَنَواتٍ.

فعن عَبْدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُما ، أنَّ رَسولَ اللهِ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: "سَألْتُ جِبْرِيلَ: أيَّ الأجِلَيْنِ قَضَى مُوسَى؟ قَالَ: أكْمَلَهُمَا وَأَتَمَّهُمَا" (صَحَّحَهُ الألْبَانِيُّ ، في صَحِيحِ الْجَامِعِ: 3591 ، وَذَكَرَ أنَّهُ قَوِيٌّ بِالطُّرِقِ ، في السلْسِلَةِ الصَّحِيحَة: 1880. وَأخْرَجَهُ الْحَمِيدِيُّ: 535 ، وَأبو يَعْلَى: 2408 ، وَالْلَّفْظُ لَهُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ: 11973).

أمَّا بِالنِّسْبَةِ لِكَلامِ اللِهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، مَعَ خَلْقِهِ مِنَ الْبَشَرِ ، بِما في ذَلِكَ رُسُلِهِ وأنْبِيَائِهِ ، فَقَد أخْبَرَنا في الآيَتَيْنِ الكريمَتَيْنِ 42: 51-52 بِأنَّ ذلكَ يَتُمُّ بِطُرِقٍ ثَلاثٍ: إمَّا بِالْوَحِيِّ ، أوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ، أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً مِنَ الْملائِكَةِ إلَيْهِم (الرُّوحَ ، جِبْرِيلَ ، عَليهِ السلامُ). وَمِثَالُ ذَلِكَ ما جاءَ في الآياتِ الكريمةِ 28: 29-35 ، التي تَذْكُرُ بِأنَّ اللهَ ، تَبارَكَ وتَعالَى ، قد كَلَّمَ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، مِنْ وَراءِ حِجابٍ ، أيِّ النَّارِ في هَذِهِ الْحالِ.

وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّـهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴿٥١ وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ... ﴿٥٢  (الشُّورَى ، 42: 51-52).

[5] الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ هُوَ رِسالَةُ اللهِ لِهِدَايَةِ الْبَشَرِيَّةِ. لِذَلِكَ ، فَإنَّهُ يُرَكِّزُ على تَعْلِيمِ خَلْقِهِ ما هُوَ خَيْرٌ لَهُم في هَذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا ، وَعَلَى ما يُساعِدُهُم لِلْفَوْزِ بِالْحَياةِ الأبَدِيَّةِ ، في جَنَّتِهِ ، في الآخِرَةِ. وَهَكَذا ، فَإنَّ قِصَّةَ بَني إسْرَائيلَ دَرْسُ لِلْبَشَرِيَّةِ ، عَنْ أنْعُمِ اللهِ عَلَيْهِم ، والَّتي تَسْتَوْجِبُ حَمْدَهُ وَشُكْرَهُ ، بَدَلاً مِنَ الْجِحُودِ والْعِصْيانِ.

كَما أنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ لا يُشِيرُ إلى تَفَاصِيلِ خُروجِ الإسْرائيليينَ مِنْ مِصْرَ ، ولا إلى الْبَحْرٍ الَّذِي شّقَّهُ اللهُ تَعالى لِخُروجِهِم ، ولا إلى ذَلِكَ الْجُزءٍ مِنَ أرضِ فِلِسطينَ الْمُقَدَّسَةِ الَّذي أمَرَهُم مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، بِالدُّخولِ مِنْهُ. وَمَعَ ذَلِكَ ، فَإنَّهُ مِنْ خِلالِ الآياتِ الْكَرِيمَةِ ، بِالإضافَةِ إلى الْمَعْلوماتِ الْجُغرافِيَّةِ والتَّاريخِيَّةِ (مِثْلِ تِلْكَ التي ذُكِرَتْ في الْمُلاحَظَةِ الثَّالِثَةِ أعْلاهُ) ، يُمْكُنُ اسْتِنْتاجُ أنَّ الْبَحْرَ الذي عَبَروه كانَ خَليجُ السُّوَيْسِ ، عِنْدَ حافَّتِهِ الشَّمالِيَّةِ ، وَأنَّهُم أنَّهُم لَمْ يَدخُلوا الأرضَ الْمُقَدَّسَةَ مِنَ السَّهْلِ السَّاحِليِّ الْجَنوبيِّ ، عِنْدَ رَفَحٍ ، في جَنوبِ قِطاعِ غَزَّةَ الْحالِيِّ. ثُمَّ تاهَ بَنو إسْرَائيلَ في صَحْرَاءِ سِيناءَ أرْبَعِينَ سَنَةً ، ولَمْ يَدْخُلوا الأرْضَ الْمُقَدَّسَةَ إلَّا مِنْ شَرْقِيِّ نَهْرِ الأُرْدُّنِّ ، بَعْدَ أنْ ماتَ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، هُناكَ. وَقادَهُم في ذَلِكَ فَتاهُ ، يوشَعُ بِنْ نُونٍ ، مِنْ خِلالِ مَدِينَةِ أرِيحا.

فَفي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ الَّذي رَواهُ أبو هٌرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، عَنْ مَوْتِ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلامُ ، بِالْقُرْبِ مِنَ الأرْضِ الْمُقَدَّسَةِ ، قالَ رَسُولُ اللهِ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فَسَألَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أنْ يُدْنِيَهُ منَ الأرضِ المقدَّسةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ" (صَحَّحَهُ الألْبانِيُّ ، عَنْ صَحِيحِ النِّسَائِيِّ: 2088 ، وأخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ: 1339 ، وَمُسْلِمُ: 2372 ، في صَحِحَيْهِما).

[6] حَديثُ ابنِ عَبَّاسٍ ، رَضيَ اللهُ عنهُما ، عَنْ مُوسَى والْخَضِرِ ، عليهِما السلامُ ، جَاءَ في صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: 78 ، 3400 ، 7478 ، بروايةِ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ ، وفي صحيحِ مُسلمٍ: 2380 ، بروايةِ عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود.

وقد صَحَّحَ الألْبَانِيُّ رُوايَةً أُخْرى لِلْحَديثِ ، في صَحِيحِ الْجَامِعِ: 4357 ، وَعَنْ صَحِيحِ التِّرْمِذِيِّ: 3149. كَما أخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ: 122 ، ومُسْلِمً: 2380 ، في صَحِيحَيْهِما ، بِاختلافٍ يَسيرٍ. وَنَصُّ هَذِهِ الرُّوايَةِ كَما يَلِي:

عَن ابْنُ عَبَّاسٍ ، رضي الله عنهما ، أنَّ أُبَيَّ بنَ كَعْبٍ ، رَضِيَ اللهُ عنهُ ، قال: سمِعتُ رسولَ اللَّهِ ، صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ ، يقولُ: "قامَ موسَى خطيبًا في بني إسرائيلَ. فسُئِلَ: أيُّ النَّاسِ أعلمُ؟ فقالَ: أنا أعلمُ. فَعَتِبَ اللَّهُ علَيهِ ، إذ لم يَرُدَّ الْعِلْمَ إليهِ. فأوحَى اللَّهُ إليهِ ، أنَّ عبدًا مِنْ عِبادي ، بِمَجْمَعِ الْبحرينِ ، هوَ أعلَمُ منكَ. قالَ مُوسَى: أيْ ربِّ ، فَكَيفَ لي بِهِ؟ فقالَ لَهُ: احْمِل حوتًا في مِكْتلٍ ، فَحَيْثُ تَفْقِدُ الْحُوتَ فَهُوَ.َ"